بقلم: الكاتبة_الصغيرة لانا مراد
متى اختلطت المفاهيم، فتحوّل احترام الآخر إلى تقديس؟
متى أصبح أن نراعي الآخرين يعني أن نتنازل عن أنفسنا؟ ومتى أصبح أن نكون لطفاء يعني أن نكون متاحين دائمًا؟ ومتى أصبح الاختلاف إساءة، والرفض قسوة، ووضع الحدود أنانية؟
ربما لم ننتبه إلى اللحظة التي بدأنا فيها بمنح الآخر سلطة أكبر من حجمه الحقيقي.
وكأنه أصبح من الطبيعي أن نفكر في مشاعر الجميع قبل أن نفكر في مشاعرنا، وأن نحسب حساب راحتهم قبل راحتنا، وأن نسأل: «ماذا سيقولون؟» قبل أن نسأل أنفسنا: «ماذا نريد نحن؟» وهل حقاً نحن نعلم ما نريد؟
كأننا تربينا، بطريقة أو بأخرى، على أن الآخر يجب أن يكون في المقدمة دائمًا.
أكرم من حولك ولو على حساب راحتك. لا ترفض، حتى لا يظنوا بك سوءًا. تحمّل، حتى لا يقولوا إنك تغيّرت. وافق، حتى لا تُغضب أحدًا. ابتسم، حتى لو لم تكن بخير. وتنازل، فالتنازل من شيم الكبار.
ولا أحد يخبرنا أين تنتهي الأخلاق ويبدأ إلغاء الذات؟
فأنا لا أتحدث هنا عن القسوة، ولا عن الأنانية، ولا عن أن نعيش وكأن العالم لا يعني لنا شيئًا. على العكس تمامًا؛ من أجمل ما في الإنسان قدرته على مراعاة غيره، وإكرام ضيفه، وحفظ مشاعر من حوله، وتقديم شيء من نفسه لمن يحب.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح كل ذلك مشروطًا بأن نكون نحن الطرف الذي يدفع الثمن دائمًا.
حين تصبح راحة الآخر أهم من راحتنا. ورضا الآخر أهم من رضانا. وصورةُ الإنسان عنّا أهم من حقيقتنا نحن.
هناك لحظة دقيقة جدًا يتحول فيها «مراعاة الآخر» إلى «إلغاء الذات».
والأخطر أن هذا التحول قد يحدث باسم الأخلاق.
فنحن أحيانًا لا نشعر أننا نؤذي أنفسنا، بل نشعر أننا أشخاص جيدون، كرماء، متفهمون، أصحاب قلوب واسعة.
لكن هل كل تنازل فضيلة؟ وهل كل صمت حكمة؟ وهل كل موافقة لطف؟ وهل أن تجعل نفسك دائمًا في المرتبة الثانية هو فعل محبة فعلًا؟
ربما نحتاج أن نعيد النظر في مفهوم «الآخر» داخل حياتنا.
أن نحترمه دون أن نقدّسه. أن نراعيه دون أن نلغي أنفسنا. أن نكرمه دون أن نهين احتياجاتنا. أن نحبه دون أن نجعل رضاه معيارًا لقيمتنا.
فالآخر إنسان مثلنا.
له رغباته، ومخاوفه، واحتياجاته، وحدوده، وحقه في أن يقول «لا».
ونحن كذلك.
ولسنا أقل استحقاقًا للراحة لأننا نحب الآخرين. ولسنا أقل أهمية لأننا تربينا على العطاء.
ربما آن لنا أن نتعلم شيئًا لم نتعلمه بما يكفي:
أن نضع أنفسنا في مكانٍ لائق داخل حياتنا، لا فوق الناس، ولا تحتهم.
فقط… إلى جانبهم.