بقلم اللواء الركن م. الدكتور
بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود
ثمَّة مبدأ ثابت في العلوم العسكرية، بل قل أحد أهم المبادئ التي ينبغي على كل عسكري معرفتها والالتزام بها والعمل على تحقيقها، يقول: إذا أردت السلام، ينبغي أن تمتلك القوة؛ وإذا أردت الحرب، ينبغي أن تمتلك القوة؛ وإذا أردتهما معاً، ينبغي أيضاً أن تمتلك القوة، فالقوة إذن تمثل أهم قاسم مشترك بين الحرب والسلام.
واليوم في عالم غارق في الغدر والخيانة، وانتهاك المواثيق الدولية، التي وضعها هو طائعاً غير مكرهٍ، يعاني افتقاراً تاماً لأدنى معايير الأخلاق والرحمة والإنسانية.. اليوم في عالم أعمته لغة المصالح، فتنازل عن الشرف والكرامة، ليثبت مع بزوغ كل فجر جديد غطرسته وصلفه، مستعرضاً قوته أمام المسالمين بعد أن أعماه غروره.. في عالم غريب متناقض مختلف حتى مع ذاته، كان لا بد من قوة رادعة لكل مغرور معتدٍ أثيم تحدثه نفسه المريضة بتعكير صفو السلام وإشعال فتيل الحروب التي تزهق الأرواح البريئة وتنتهك الحرمات وتدمر المكتسبات وتنهب الثروات، مهددة استقلال الآمنين.
اليوم بعد أن سئمنا نفاق الغرب، وضقنا ذرعاً بقميص يوسف الذي فصله لنا على مقاسنا عبر منظمات وهمية من أمم غير متحدة إلى مجلس ظلم وبنك دولي وحقوق إنسان، وحتى منظمة عالمية لتدمير الصحة… إلخ؛ أقول بعد أن سئمنا اليوم هذا الهراء والنفاق القبيح الذي استمرأه الغرب لعقود، طفح بنا الكيل، فكان لا بد من تعليق الجرس.
فاجتمعت قيادة السعودية وقيادة باكستان وقيادة تركيا يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر صفر لعام 1448م، الموافق لليوم السابع من شهر أغسطس 2026م، وتم توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية، باكستان وتركيا (سبت – SPT) في أقدس بقاع الأرض، بجوار الكعبة المشرَّفة، وفي أفضل أيام الأسبوع، تيمناً بالمكان والزمان.
ليس هذا فحسب، بل تعدَّى الأمر تعليق الجرس لترتج الأرض تحت أقدام كل الخونة في العالم، الذين يضمرون الشَّر للمنطقة ويتربصون بها للعبث بأمنها واستقرارها، واستغلال شعوبها ونهب ثرواتها وطمس هويتها بعد إغراقها في (فوضى خلَّاقة).
وقطعاً، الأمر ليس (نفش ريش) كما يتوهم الحمقى المتربصون، بل هو مشروع إستراتيجي مهم، يمثل ضرورة قصوى مُلِحَّة لأمن المنطقة ومستقبلها في لحظة حاسمة شديدة التعقيد، توافرت له كل عوامل النجاح الضرورية لتحقيق الغاية المنشودة، وأوجز في ما يلي أهم تلك العوامل:
• السريَّة التي تم بها الوصول أخيراً إلى توقيع الاتفاقية، فمؤكد أن الأمر لم يتم بليل هكذا خبط عشواء، بل سبقته مشاورات ومباحثات ومناقشات جادة مسؤولة، وعمل دبلوماسي حثيث بين الشركاء الثلاثة، تأكيداً للجدية؛ مما جعل العالم يفغر فاهاً من هول المفاجأة عند توقيع الاتفاقية، خاصة أولئك المتربصين الذين يتأبطون الشَّر صباح مساء.
• كل واحدة من هذه الدولة الثلاث، دولة وازنة في المنطقة والعالم على حدٍّ سواء، يعمل الجميع لها ألف حساب؛ ويمثِّل مجموع ما تمتلكه من أدوات حقيقة، أسناناً حادة، تضمن قوة ردع حقيقية، تجعل الطغاة البغاة المأجورين يفكرون ألف مرة قبل القيام بأي مغامرة تجاه أي واحد من الشركاء الثلاثة.
• وأهم من هذا كله، تلك العقيدة الإسلامية الراسخة التي تجمع بين الشركاء الثلاثة، التي تمثل أهم ضمان للصدق والإخلاص والتجرد ونكران الذات والتفاني في احترام العهد، والتضحية من أجله بكل غالٍ ونفيس.
وبعد:
وأنا أكتب هذه العجالة، تراءى أمام ناظري المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود، وهو يتحدث إلى بروكلمان، المستشرق الألماني الذي عُرِفَ بـ (شيخ المستشرقين) وهو يضرب الأرض بعصاه، كما وصفه أمين الريحان، أول من كتب عنه، قائلاً: (إذا وفَّق الله أولادي كما وفقني، فسوف يتولون مسؤولية مائة مليون مسلم).
وهاهم أبناء عبد العزيز اليوم يتولون مسؤولية نحو مليارين ونصف المليار مسلم، يشكلون بين 25 – 30% من مجموع سكان الأرض، بتوفيق الله وعونه ولطفه، ثم بما غرسه فيهم عبد العزيز من خلق كريم وصفات قيادية استثنائية لحمل الأمانة ومواصلة الرسالة.
في المقال القادم، سأتناول الموضوع إن شاء الله من وجهة النظر العسكرية.. فعلى كل متأبطي الشَّر أينما كانوا، خاصة من هم في المنطقة، إعادة حساباتهم من جديد، والكف عن المراهقات الطائشة؛ وإلا فليتحملوا مسؤولية طيشهم ومراهقتهم وتأبطهم للشَّر صباح مساء.
ختاماً: أعيد على مسامع الغرب الذي ظل يتعامل معنا لعقود متقوقعاً في المنطقة الرمادية، مقولة صالح غير الصالح: فاتك القطار الآن.