اللواء الركن م. الدكتور
سمو الأمير بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود
كان مقالي الأخير (هل حقَّاً التعليم العام مختطف؟)، تعقيباً على مقال الأخ خالد الباتلي (اختطف الأكاديميون التعليم العام، فمن يعيده إلى أهله؟).. ولأنني مدرك لأهمية التعليم الراقي، مهتم بشأنه، مشغول به.. التعليم الذي يفضي في نهاية المطاف إلى مخرجات حقيقية، تدعم سوق العمل، وتوجه التنمية، وتحدد الخطط، دون الانكفاء على تنفيذ السياسيات التشغيلية؛ أعقِّب اليوم أيضاً على مقال الأخ سعد بن عبد الرحمن الخميس (التعليم.. من يقيس جودة المخرجات؟).
وإن كنت قد اتفقت مع كثير مما جاء في مقال الأخ خالد الباتلي، أجدني اليوم متفق قلباً وقالباً مع مقال الأخ سعد الخميس، مضيفاً: ثمَّة مؤشر آخر مهم يقيس لنا جودة التعليم، غير أننا أغفلناه، أو قل تغافلنا عنه سنين عدداً، ولم نأخذ بنتائجه لإعادة النظر في مستوى جودة تعليمنا، ذلكم هو سوق العمل.
فعزوف الشركات الأهلية والمؤسسات عن توظيف السعوديين وتشغيلهم، لاسيَّما الخريجين منهم، مما اضطر وزارة العمل لاتخاذ إجراءات صارمة تلزم القطاع الخاص بتوظيفهم، ليُعَدُّ دليلاً قاطعاً على مستوى جودة التعليم في بلادنا. وبالمقابل، يُعَدُّ التفاف تلك الشركات الأهلية والمؤسسات على إجراءات وزارة العمل بالسعودة الوهمية، دليلاً قاطعاً أيضاً على مدى جودة تعليمنا. وبالطبع يضاف إلى هذا، وجود عمالة وافدة تساوي عدد المواطنين تقريباً، مؤشراً ثالثاً مهماً على مستوى جودة تعليمنا. وقطعاً أنا لست ضد العمالة الوافدة، لكن ليس بهذا الكم الهائل الذي يناهز عدد السكان.
وحقَّاً لا أدري: أنشكر وزارة العمل، أم نعتب عليها؟!.. صحيح العمل حق لكل مواطن محتاج إليه قادر عليه، لاكتساب قوته وتحقيق ذاته والإسهام في تنمية بلاده. لكن صحيح أيضاً أن إجراءات وزارة العمل بشأن السعودة، مع الاحترام والتقدير، قد أسهمت مرتين بحسن نية في تدني جودة المنتج النهائي لتعليمنا اليوم:
المرة الأولى: لأن متلقي التعليم يركن إلى جزرة وزارة العمل الشهية وعصاها الغليظة لتوظيفه في الشركات الأهلية والمؤسسات، في حال لم يجد وظيفة في القطاع العام، فلماذا التعب إذن والسهر والبحث وقضاء معظم الوقت بين المراجع والمصادر وأمهات الكتب، أو في معامل الأبحاث؟!.
المرة الثانية: لا أعرف لوزارة العمل، مع تقديري لجهدها، آلية واضحة للتحقق من موضوع السعودة الحقيقية في شركات القطاع الخاص ومؤسساته، إذ تكتفي فقط بما لديها من سجلات على الورق بأسماء الموظفين والعاملين من السعوديين لدى هذه الشركة أو تلك المؤسسة، دون التحقق من وجودهم في الميدان على أرض الواقع، مما اضطر تلك الجهات لإدمان السعودة الوهمية والركون إليها.
يضاف إلى كل ما تقدم، ما جاء في مقال الأخ سعد الخميس من تحول كثير من مؤسسات التعليم الأهلي، سواءٌ أكانت مدارس، معاهد، جامعات أو حتى رياض أطفال، إلى شركات استثمارية، تُعْنَى بتحقيق أكبر قدر من الأرباح، من خلال التركيز على منح منتسبيها شهادات التفوق والامتياز، والشكر والعرفان والامتنان، دونما اهتمام بجودة المنتج النهائي.
وعلى كل حال، أدرك يقيناً أن مهمة إصلاح التعليم ليست سهلة، لكنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة، وقد آن الأوان لنتعاون كلنا، كما أكدت في مقالي السابق، لاسيَّما الجهات المعنية وأولياء الأمور وكل المهتمين من أفراد المجتمع، بترسيخ تعليم راقٍ بجودة متميزة، يهتم بتنمية العقول وصقل المهارات وترسيخ العلم، يجعل سوق العمل يتسابق لتوظيف المواطن وتشغيله، مما يخفف العبء عن وزارة العمل؛ كما أرى أيضاً ضرورة تحويل موارد صندوق تنمية الموارد البشرية لتطوير التعليم من خلال مراكز الأبحاث والدعم والتدريب، لتصبح المنافسة هي الفيصل الحقيقي للتوظيف، لا جزرة وزارة العمل أو عصاها. لكن، وهذا مهم جداً: أن يكون تعليماً نوعيَّاً جيداً، رافده الانضباط. لأن التحصيل الأكاديمي مهما كان نوعه وكَمُّه، يبقى عديم الجدوى من غير انضباط يوجه بوصلته في المسار الصحيح.