بقلم أ. متعب دخيل الله المسعودي
حين تتحول الدراسة إلى موسمٍ لا يكاد ينتهي، وحين يعيش الطالب وولي الأمر والمعلم عامًا كاملًا من الاستعداد والانتظار والانقطاع والعودة، يصبح من حق المجتمع أن يتساءل: هل حقق طول العام الدراسي ما كان يُرجى منه؟ وهل كانت الإجازات المطولة حلًا تربويًا، أم أصبحت جزءًا من المشكلة؟
ليس الهدف من هذا الطرح الانتقادَ من أجل الانتقاد، ولا الدعوة إلى تقليص التعليم أو الانتقاص من أهميته، وإنما هي دعوة صادقة لإعادة تقييم تجربة استمرت سنوات، من خلال نتائجها الواقعية، لا من خلال أهدافها النظرية.
فالطالب اليوم يقضي عامًا دراسيًا طويلًا، تتخلله إجازات متكررة تفصل بين مراحل التعلم، فيفقد التسلسل الذهني الذي تحتاج إليه العملية التعليمية. وما إن يبدأ في التأقلم مع إيقاع الدراسة حتى تأتي إجازة جديدة، ثم يعود ليبدأ من جديد. وهكذا يصبح جزءٌ من الوقت مخصصًا لاستعادة التركيز، بدلًا من البناء على ما سبق.
أما الأسرة، فقد أصبحت شريكًا في تحمل أعباء عامٍ يمتد طويلًا؛ التزاماتٌ يومية، وتنظيمٌ مستمر، ومصاريفُ لا تتوقف، مع إجازاتٍ متفرقة لا تمنح، في كثير من الأحيان، فرصةً حقيقية للسفر أو الراحة، بل تفرض ترتيباتٍ جديدة تزيد الضغوط على كثيرٍ من الأسر.
والمعلم كذلك لا يعيش استقرارًا كاملًا في خططه؛ إذ تتكرر عمليات التهيئة وإعادة تنظيم البرامج بعد كل انقطاع، بينما تتوزع الجهود على فتراتٍ متقطعة، بدلًا من أن تتجه إلى استثمار الوقت في تعميق التعلم ورفع جودة المخرجات.
إن القضية ليست في عدد أيام الدراسة وحده، وإنما في جودة استثمارها. فالتعليم لا يُقاس بطول التقويم، بل بما يحققه من معارف ومهارات وقيم. وإذا كانت المخرجات التعليمية هي المعيار الحقيقي، فمن المشروع أن تُراجع أي سياسة تعليمية على ضوء نتائجها، وأن تُناقش بهدوء وشفافية، بعيدًا عن الافتراض بأن أي نظام لا يقبل المراجعة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأنظمة التعليمية الناجحة لا تبحث عن إطالة العام الدراسي بقدر ما تبحث عن رفع كفاءة اليوم الدراسي، وجودة المعلم، وتطوير المناهج، وتحسين البيئة التعليمية. فالوقت وسيلة، وليس غايةً في حد ذاته.
إن إعادة النظر في التقويم الدراسي لا ينبغي أن تُفهم على أنها تراجع، بل هي دليل على مرونة المؤسسات وقدرتها على التطوير. فالسياسات العامة تُبنى لخدمة المجتمع، وعندما تظهر تحديات أو آثار غير مقصودة، فإن المراجعة تصبح جزءًا من النجاح، لا اعترافًا بالفشل.
واليوم، تتطلع الأسر والمعلمون والطلاب إلى تقويم دراسي أكثر استقرارًا، يوازن بين التحصيل العلمي والراحة النفسية، ويمنح المدرسة إيقاعًا أكثر اتساقًا، ويخفف الأعباء عن الأسرة، دون أن يمس جودة التعليم أو أهدافه.
إن التعليم مشروع وطن، ونجاحه مسؤولية مشتركة. وكل قرار يلامس حياة ملايين الطلاب يستحق أن يخضع للتقييم المستمر، وأن يُقاس أثرُه في الواقع. فالتطوير الحقيقي لا يتوقف عند اتخاذ القرار، بل يبدأ بالشجاعة في مراجعته متى دعت الحاجة.
ولعل السؤال الذي ينتظر إجابته اليوم ليس: كم أسبوعًا يدرس الطالب؟ بل: ماذا تعلم فعلًا بعد كل هذا الوقت؟ فإذا كانت الغاية هي بناء إنسان أكثر علمًا وكفاءة واستعدادًا للمستقبل، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بتقويم دراسي يحقق التوازن، ويجعل كل يوم في المدرسة ذا قيمة حقيقية، لا مجرد رقم يُضاف إلى طول العام الدراسي.