الكاتبة : منيرة بنت محمد الشمرآني
كنا صغاراً ” بين السبعينيات والثمانينيات ”
نسكن حارةً لا توصد أبوابها ونقتاتُ الفرح من أبسط الأشياء. كان “ايس كريم الحجاز” في نظرنا جائزةً كبرى ومكافأةً تلون أيامنا بالبهجة
عبارة عن كيس معبا بمشروب التوت المنعش
وكأننا ملكنا بها الدنيا وما فيها
لم نكن نحتاج للكثير لنشعر بالرضا فقد كانت القناعة هي السقف الذي يظلنا جميعاً
كانت زيارة الأقارب عيداً غير مجدول
نجتمع حول العمات والخالات ننهل من دفء أحاديثهن وننصت لحكاياتٍ لم تكن مجرد قصص
بل كانت خيوطاً متينة تبني فينا عمق الارتباط بجيلٍ عجيب في بساطته
غريب في رضاه
كان طموحهم “الستر” وبناء أسرة متماسكة
يؤدون الواجب قبل أن يسألوا عن الحق ويمضون في الحياة بقلوبٍ خالية من التعقيد عامرة بالمودة
واليوم..في عزلة الحاضر
استبدلنا تلك الجلسات الحميمية بشاشاتٍ صامتة أجهزةٌ أصغر من حجم الكف لكنها ابتلعت عالمنا بأسره
نقلت إلينا كل العلوم والخبرات
لكنها أخذت منا “الدفء” و”الحنين”
صرنا نرى العالم من خلال ثقبٍ رقمي نعيش في “قبو من الغفلة” حيث الحوار باهت والاستجابة باردة والتواصل مجرد إشعارات لا روح فيها
إن الأسرة لن تعود ملاذاً حقيقياً ما لم نعد إليها ذلك الدفء المفقود
ذلك الحوار الذي يقرأ العيون قبل الكلمات
لن تتغير حياتنا طالما بقينا نلهث خلف “مدنية” زائفة وسرعة تسرق منا أعمارنا دون أن تمنحنا السكينة
ليتنا نعود
نستأنس بتلك الذكريات ونحتمي بها أمام جحافل التغريب التي عبثت بهويتنا
ونقلتنا من مجتمعاتٍ مستقرة كالجبال إلى أمواجٍ متلاطمة في محيطٍ عميق لا مركب فيه يجمعنا ولا سترة نجاة تحمينا من الغرق
إلا بالعودة إلى تلك الجذور إلى بساطة الحارة وإلى صدق الشعور الذي كان يجمعنا يوماً تحت سماء واحدة.