د. حارث بن علي العسيري
لم يكن الحج يومًا قرار لحظة… بل كان في كثير من الأحيان ثمرة سنوات.
منذ أن نزل قول الله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً”… لم تكن الاستطاعة كلمة عابرة… بل كانت منهج حياة… زاد يُجمع… ونفقة تُهيأ… وطريق يُحسب.
وقد وصف الرحالة مثل ابن بطوطة وابن جبير رحلات طويلة لا يُقطع فيها الطريق إلا بعد إعداد دقيق… زاد يكفي… ونفقة لا تنقطع… وصبر على مشقة لا تُحتمل بدون استعداد.
وفي تلك الأزمنة… لم يكن المال رفاهية… بل كان شرطًا للطمأنينة.
وكانوا يقولون: إن أردت الحج فاجعل له نفقة طيبة… فلا تخرج وقلبك مشغول.
وفي زمننا… لم يتغير شيء في الحقيقة…
كم من رجل بدأ منذ سنوات… لا لأنه غني… بل لأنه عازم… يجمع القليل على القليل… ليس ليكثر… بل ليصل.
وكم من ابن جمع ليحمل أمه أو أباه إلى الحج… وكم من أسرة خففت من دنياها لتثقل ميزان آخرتها.
وهنا يتحول المال من رقم… إلى معنى… ومن وسيلة عيش… إلى طريق عبادة.
واليوم… حين ننظر إلى تنظيم الحج في المملكة العربية السعودية… ندرك أن النظام لا يكتفي بضبط الأعداد… بل يدفع إلى التخطيط… تصريح… موعد… تنظيم… كلها تقول لك: لا تأتِ فجأة… بل استعد.
فالحج ليس رحلة تؤخذ على عجل… بل عبادة تُبنى قبل أن تبدأ.
فهل نُعدّ للحج كما نشتاق إليه؟ أم نكتفي بالشوق ونؤجل الاستعداد؟