د. حارث بن علي العسيري
المحطة الرابعة: حين يلبس الحاج قلبه… لا إحرامه فقط
هناك لحظة… لا تُرى بالعين، لكنها تغيّر كل شيء.
حين يخلع الحاج ثيابه… لا يخلع القماش فقط… بل يخلع: اسمه، منصبه، تجارته، مشاكله، كل ما كان يعرّفه أمام الناس.
ويرتدي قطعتين بسيطتين… كأنها رسالة صامتة: “أنا الآن عبد فقط… لا شيء غير ذلك”.
لكن الحقيقة الأعمق… ليس كل من لبس الإحرام… دخل في الإحرام.
هنا تبدأ القصة.
يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه صفة حج النبي ﷺ، وكيف لبّى النبي ﷺ حتى بُحَّ صوته من كثرة التلبية…
وكانت التلبية ليست كلمات تُقال… بل إعلان ولاء: لبيك اللهم لبيك… أي: جئتُك بكل ما فيّ… لا بجسدي فقط.
موقف يهز القلب: يُروى أن سفيان الثوري رحمه الله لما أحرم، تغيّر وجهه واصفرّ، فقيل له: ما لك؟ فقال: أخشى أن أقول “لبيك”… فيُقال لي: لا لبيك ولا سعديك.
هذه ليست قصة خوف… هذه قصة صدق.
الفرق بين حاج… وحاج: هناك من يلبس الإحرام ويصور، يلبّي وقلبه في تجارته، يدعو وهو مستعجل للخروج. وهناك من يقف وكأن الدنيا انتهت، يبكي لأنه فهم لماذا جاء، يلبّي وكأنه يسمع النداء لأول مرة.
سؤال المحطة: هل لبست الإحرام… أم لبسك الإحرام؟ هل أنت داخل على حج… أم داخل على لقاء؟
رسالة هذه المحطة: الحج لا يبدأ من الميقات… الحج يبدأ من لحظة الصدق.
الدعاء: اللهم كما جرّدنا من ثيابنا، فجرّد قلوبنا من الرياء، وكما لبسنا الإحرام، فألبسنا صدق النية، ولا تجعل حجّنا عادة بل عبادة، ولا رحلة بل عودة إليك، اللهم تقبل من الحجاج حجهم، وردّهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين، واجعل هذا البيت آمناً مطمئناً، واذكرونا بدعوة في ظهر الغيب