بقلم: عبدالعزيز السبيعي – عين الوطن
في ظل الأنباء المتداولة حول توقيف الفنانة شجون الهاجري في مطار الكويت الدولي، لفت انتباهنا حجم التفاعل الشعبي الكبير تجاه قضيتها، حيث عجّت منصات التواصل الاجتماعي بالدعوات لها، وعبّر كثير من الفنانين والمشاهير عن تضامنهم الصادق، في مشهد إنساني عكس مدى الحب والتقدير الذي تحظى به.
هذا الحدث، وإن كان مؤلمًا، يسلّط الضوء على جانب إنساني عميق: التأثير المتبادل بين الإنسان ومحيطه. فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ميّالًا بطبعه إلى الأنس والاجتماع، وهو ما نشاهده في سلوك أغلب الكائنات الحية. الطيور تطير جماعات، والثدييات تؤسس مستعمراتها، والنمل لا يُرى إلا في جموع، وكأنها جيوش منظمة. جميعها أمثلة على فطرة التجمع التي غرسها الله في مخلوقاته.
الإنسان كذلك، لا يستقيم وحده، ولا تستقيم به الحياة دون شريك أو معين. كما قال ابن خلدون: “الإنسان مدني بالطبع”، أي أنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، لأنه يحتاجهم لتلبية احتياجاته اليومية، من طعام وشراب وأمن وطمأنينة وعاطفة.
العلاقات الاجتماعية تشاركية بطبعها يتأثر كل واحد منا من الآخر، ولا يمكننا تجاهل البيئة المحيطة وتأثيرها كذلك، والدور الهام الذي تلعبه في التأثير على أبنائنا وبناتنا.
سأتطرق أولًا بالكتابة عن العلاقات الاجتماعية فهي لا تقوم فقط على المنفعة كما هو متعارف عليه، بل على التبادل والتأثير المشترك. ولهذا كثيرًا ما نسمع من آبائنا وأمهاتنا نصائحهم المتكررة بضرورة اختيار الرفقة الصالحة، فالصاحب كما يُقال “ساحب”، إمّا إلى خير أو إلى شر.
وتتميز العلاقة التي تربط الفرد بمجتمعه بكونها علاقة تبادلية بحتة، فكل طرف يؤثر في الآخر ويتأثر به. فنحن نُجالس الصالح لا الطالح، ونميز بين الخطأ والصواب، ونختار من يعيننا ونعينه، ونتبادل النفع والعون. ومن هنا، تُعد جودة الروابط الاجتماعية مقياسًا حقيقيًا لتماسك المجتمعات وصحتها.
أما عن البيئة المحيطة فهي تلعب كذلك دورًا رئيسيًا في تشكيل شخصية الفرد، خصوصًا في مراحل الطفولة. فالاختلاف بين طفل ينشأ في أمريكا وآخر في المملكة العربية السعودية ليس فقط في اللغة أو العادات، بل في طريقة التفكير والسلوك والتفاعل مع المجتمع.
وعندما نجالس أشخاصًا نشأوا في بيئات ومجتمعات مختلفة، نلحظ بوضوح الفروقات في السلوك والعادات اليومية. حتى في أبسط التفاصيل، كالأكل والشرب، تظهر هذه الفروقات جلية؛ فمثلاً، نجد أن الشعوب في الهند يميلون إلى تناول الأطعمة الغنية بالتوابل، على عكس كثير من الشعوب الأوروبية، مثل الفرنسيين، الذين يفضلون النكهات الخفيفة. كل مجتمع تصنعه بيئته، وتلك البيئة تُشكّل عاداته وتوجهاته وتُسهم في رسم هويته الثقافية.
وفي ظل الحديث عن العلاقات الاجتماعية والبيئة المحيطة وتأثيرها، لا بد أن نُسلّط الضوء على الجانب الآخر من الصورة: العزلة الاجتماعية وما تسببه من آثار نفسية وصحية خطيرة. فالعزلة المستمرة تؤدي إلى:
• تدهور الثقة بالآخرين.
• شعور بالإحباط واليأس.
• مشاكل عقلية وصعوبة في الإدراك.
• تسارع في ظهور علامات الشيخوخة نتيجة التفكير الزائد.
• احتمالية التشرد، خاصة لمن طالت بهم فترة العزلة.
ختامًا، ما جرى للفنانة شجون الهاجري يعيد تذكيرنا بأن الإنسان في جوهره كائن اجتماعي، لا غنى له عن أهله وأحبائه ومجتمعه. ولكن يجب أن تحرص على أن يكون من حولك ممن يعينونك على الخير، لا من يجرّونك إلى ما لا يُحمد عقباه.