بقلم د. حارث بن علي العسيري
لم يكن الطريق بين المدينة المنورة ومكة مجرد مسافة تُقطع… بل كان مشهدًا تُكتب فيه وجوه… وجوهٌ خرجت… لا لأن الطريق سهل… بل لأن النداء كان أعظم.
في تلك الأيام… لم يكن الناس سواء… لم يكونوا صورة واحدة… بل كانوا ألوانًا… يجمعهم مقصد واحد.
كان عبدالله بن عباس شابًا صغيرًا… لم يبلغ ما بلغ الرجال… لكنه لم يرض أن يفوته المشهد… كان يقترب في صمت… يخدم… يلاحظ… ويحفظ… كأن داخله يقين أن هذه اللحظة لن تتكرر.
وكان جابر بن عبدالله حاضرًا بعينٍ ترى وعقلٍ يحفظ… لم يكن يسير فقط… بل كان يراقب… كيف يتحرك النبي ﷺ… ماذا يقول… حتى عاد ينقل للأمة مشهدًا كاملًا كأنك تراه.
وهنا ندرك… أن بعض الناس يحضرون الحدث… وبعضهم يحفظونه للأجيال.
وفي زاوية أخرى… كان هناك من توقّف… ليس عجزًا… بل طاعة…
رجلٌ … كان يرى طريقًا لنفسه… فإذا به يُوجَّه أن يترك ما أراد… ويخرج مع زوجته إلى الحج… فخرج… لا بما أراد… بل بما وُجِّه إليه.
وفي الطريق… لم تكن الخطى متشابهة… هذا يسير شوقًا… وهذا يسير علمًا… وهذا يسير طاعة… وهذا يسير رجاءً… لكنهم جميعًا كانوا يسيرون في اتجاه واحد.
وهنا يكمن السر… لم تكن قوة المشهد في تشابههم… بل في اختلافهم… واجتماعهم رغم ذلك.
واليوم… حين ترى الحشود تتجه إلى مكة في المملكة العربية السعودية… تظن أنهم صورة واحدة… لكن الحقيقة أن القلوب مختلفة… وهذا سر التنظيم الحقيقي.
ليس التحدي أن تجمع الناس… بل أن تقود اختلافهم دون أن يتصادموا.