بقلم : أمـل يونس
جرت العادة على أن تكون في كامل نشاطها وحيويتها بعد رجوعها من الدوام الذي أحبته كثيرًا؛ حتى أنها تهتم بمن في البيت وتمارس مهامها المنزلية فور عودتها بلا كللٍ أو ملل!! وذات يوم رجعت من عملها شاحبةٌ مجهدة، بدى عليها أثار الخمول وفقدان الشغف..
وماهي إلا لحظات حتى تبعتُها في مخدعها الذي أحاطت به الظلمة الحالكة على غير عادة !! أضئت المصباح ؛ ثم سألتها مستفهمة هل أنت على ما يرام؟ من سرق ابتهاجك؟ لمَ حُجبَت ابتسامتك المشرقة ؟! لقد لاحظت عليك منذ فترة وجيزة أنك لست كسابق عهدك…
أ متوعكةٌ أنت ؟! ظلت تشيح بنظرها عني كي لا أرى الدموع المتحجرة داخل مقلتيها؛ فهي على دراية بقدرتي على قراءة العيون، لاسيما عينيها الجميلتين الناعستين الشبيهتين بعيني أبيها الراحل -رحمه الله- جلست على طرف سريرها واقتربت منها ثم بادرت واحتضنتها بقوة علني أشعرها بالطمأنينة فما لبثت حتى أجهشت بالبكاء !!
همست في أذنها اليمنى لا بأس يا حبيبتي أنا هنا معك .. لاتقلقي يا فلذة كبدي، أنا بقربك يا نبض قلبي، تعمدت أن أبقيها بين ذراعي وأربت على ظهرها وكتفها وامرر أصابعي بين خصلات شعرها المموج الجميل الذي يميزها ؛ فقد ورثته مني ومن أبيها..
احتويت روحها حتى هدئت واستقر نفسها المتسارع، ثم سكنت في حضني كما كانت منذ نعومة أظفارها أي قبل عقدين من الزمن عندما كانت تتعرض لبعض المضايقات من قِبل بعض زميلات الدراسة أو من بناتِ الجيران ، وكأن المشهد يعيد نفسه ؟!! هي ذاتها طفلتي المدللة التي ملئت الكون حولي فرحًا وبهجة، كانت وما زالت نعم البنت المطيعة هي قرة عيني بلا منازع، لكن لمَ هي اليوم بهذا القدر الهائل من الحزن الممزوج بالألم والارتباك!! سرحت بفكري بعيدًا علَّني استشف ما قد يكون أصابها .. لكني آثرت أن تبوح هي بما يدور في خلدها بعد أن تهدأ ،نعم ستبوح لي فأنا لست أمها فقط بل صديقتها وموطن أسرارها… وبينما أنا غارقة في تفكيري وهواجسي نظرت إليّ خلسة ،، ثم تبعتها بنظرة متفحصة لا تخلوا من الحنان والقلق .. كأنني ابحث عن شيئ مفقود !! وهي على حالها خائفةٌ من إظهار مصابها الجلل !!!
بادرتها بسؤال مباشر طفلتي ماذا ألمّ بقلبك الصغير؟ لمَ ازدادت نبضاته وتسارعت وكأن طبول الحرب تقرع فيه !!؟؟ لم تستطع اخفاء دهشتها من سؤالي فاتسعت حدقة عينيها وبدى عليها التوتر الشديد!! فلسان حالها يقول كيف عرفت أمي أن علتي في قلبي ؟؟
أردفتُ على سؤالي لها بسؤالٍ آخر وبنبرة صوت دافئة هل غزا هذا القلب النقي غازٍ من نوعٍ خاص؟؟؟ أرجوا أن يكون فارسًا نبيلًا فابنتي تمتلك داخل صدرها قلبٌ يوزن بالذهب.. اعتلت فوق شفتيها ابتسامةٌ خفيفة ممزوجةٌ بالكثير من الخجل، ثم ما لبثت حتى اعتدلت في هيئتها وجلست مطرقة الرأس لبرهة، أمسكَت بيدي في صمتٍ عميق، ظهر على محياها حياء العذارى، وقالت بصوتٍ خفيض أنت أمٌ عظيمة جدًا ؛ فقد كنت في حيرةٍ من أمري!! لم استطع ايجاد الطريقة المثلى لأخبرك بأمر زميلتي في العمل؛ فقد فاجئتني بطلبها منذ أسبوع قائلة: بأن والدتها طلبت منها أن تجس نبضي في موضوع الارتباط!! وهل أنا مخطوبة أم سبق لي الزواج؟ ذلك لأنها أعجبت بي عندما رأتني في الحفل السنوي المقام بالوزارة في الشهر المنصرم، فوالدتها مديرة بأقدم قسم بالوزارة، أما ابنتها ودودةٌ ولطيفةٌ جدًا، أتشارك معها كل شيئ بالمكتب هي طيبة المعشر.. حسنًا وماذا عن العريس أين يعمل ؟؟
هو حامي حمى الوطن يا أمي إنه ضابطٌ في القطاع العسكري وقد كان ضمن الصفوف الأولى بالحد الجنوبي والآن تمت ترقيته واستقر بمنطقة الرياض.. وقع اسم الرياض كالسهم على قلبي ..علا صوتي وأنا أسألها بذعر الرياض !! ؟؟ هي بعيدة كل البعد عن المنطقة الغربية وإذا حصل وتزوجت يا ابنتي من ذاك الشاب فهذا يعني أن انسلخ منك !! وأنا لا أقوى على فراقك يا توأم روحي وسلوة فؤادي..
كانت ليلة طويلة وشديدة الظلمة لم استطع النوم، الهمُّ أرقني، تشوشت أفكاري، إهتز كياني!! عقلي يرسل إشارات الفرح لأن ابنتي كبرت وسوف تتزوج وستحظى بحياة اجتماعية كريمة مع عائلة مرموقة، والأهم من ذلك ستقترن بزوجٍ رفيع القدر والمقام، وفي الجهة الأخرى ظلَّ قلبي يرتجف بقوة؛ فكرة بعد ابنتي الغالية عني ترعبني،، رباه ماذا لو انتقلت للرياض وباتت رؤيتي لها مقتصرة على برامج التواصل الاجتماعي، ما عساني فاعلة؟؟!!
ارتفع صوت أذان الفجر قمت من فراشي ثم توضأت وصليت ودعوت لابنتي كثيرًا كما دعوت الله أن ينزل السكينة على قلبي ..ثم سبحت بأفكاري نحو الماضي وتذكرت زوجي – رحمه الله- كم سيكون سعيدًا بهذا الخبر، ابنتنا في سن الزواج، وستكون عروسًا جميلة !! والمحظوظ هو من سيرتبط بها، ارتسمت ابتسامة رضا على شفتي أخيرًا !! شعرت بشعورٍ مريح، ثم توجهت نحو غرفتها لأخبرها أن لا مانع لديّ في استقبال أهل العريس والتعرف عليهم.
مضت الأيام مسرعة وتمت مراسم الزواج بكل رقِيّ وفخامة.. ثم انتقلت ابنتي للعيش في الرياض، حمدت الله -عزّ وجل- أنها ترفل في زحامٍ من النعم، وتبددت كل مخاوفي عليها فأنا على اتصال دائمٌ بها، هي مثالٌ للبنتِ البارة والزوجة الصالحة، أشكرك يا إلهي فتربيتي لم تذهب أدراج الرياح،،
قررت بعد فترة ليست بالقصيرة أن أسافر إلى مدينة الرياض؛ لحضور حفل أقامه زوج ابنتي العزيز، وكان متزامنًا مع احتفالات الوطن “باليوم الوطني 95، في الأول من الميزان الموافق 23 سبتمبر (أيلول) وعلى الرغم من أن جميع مناطق المملكة تحتفي به كثيرًا، إلا أني لم يسبق لي المشاركة بأيٍّ احتفال من قبل!!
بطبيعة الحال كنت غارقةٌ بأمورٍ كثيرة ولعّل في مجملها الاهتمام بشؤون ابنتي ورعايتها…
وعندما حطت قدماي أرض الرياض بهرتني تفاصيلها!! يالها من مدينة آسرة للقلوب!! فشوارعها تزينت، وأحيائها ازدانت، وزها كل مَعْلَمٌ بها براية التوحيد الخفاقة، هذا عدا فرح وسرور الرجال والنساء، وتعالي ضحكات الأطفال المختلطة بأصوات الأهازيج وصدى الأناشيد الوطنية الرائعة، فقد تجلَّت هي في عرسها البهيِّ بمظاهر الترف وكرم الضيافة والتطور والازدهار؛ حتى أضحت عروسًا فاتنةً نثرت فوقها الدراهم !!!
ومن حظي الجيد حضور عدد من الشخصيات المؤثرة بالمجتمع، ونخبة من أصحاب السعادة، وكوكبة من المسؤولين بالدولة بذات الحفل؛ لذا توجب تخصيص فقرات متنوعة احتوت على الكثير من الحكايات والقصص والأحداث، والمعلومات الوطنية النادرة قديمًا وحديثًا؛ إثراءً لذائقة الحضور وتكريمًا للماضي التليد،، فياله من يومٍ مميز ومتفرّد حتى في عنوانه العريق؛ فشعار الهوية الرسمية لليوم الوطني 95 “عزّنا بطبعنا” فيه تركيز على العديد من القيم الأصيلة المتجذّرة في عمق الثقافة السعودية: من الكرم والطموح إلى الفزعة والأصالة والجود والرؤية؛ بذلك تعكس بكل وضوح للعالمين (هوية الشعب السعودي الأصيلة) وتحكي تاريخ الأجداد وكفاحهم في رفع كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وتوحيد المملكة العربية السعودية المترامية الأطراف على يدي المؤسس جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود -طيب الله ثراه- بسلاسة وعصرية تحاكي عقول الأبناء (خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله- )ورؤية الأحفاد ( صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظة الله- ) وتغرس فيهم وفي أرواح الشعب الأبيّ العزة والشموخ والإباء؛ والفخر للانتماء لهذا الوطن المعطاء، ولا أخفيكم كم كنت في قمة السعادة والحبور إزاء ما عشته مع ابنتي في ذلك اليوم النابض بالجودة والعراقة قلبًا وقالبًا، حيث كانت فكرة الاستمتاع بيوم الوطن في مدينة عبقرية ساحرة كالرياض؛ ضربٌ من خيال؛ بيد أن الذي عشته فيها فاق الخيال !!!!
ولا ريب فالحفل أضحى لوحةً حوت جميع الألوان فهنا عبق الطيب، وتتابع تصاعد دَخَنة البخور، وهناك انتشر عبير الزهور وشذى الورود، وها هو أَرِجَ العطرُ قد غطى الأفاق، وصحون أجود التمور وأطباق الحلوى اللذيذة المرافقة للقهوة السعودية؛ يبدعون في نحت أروع الصور لهذا الحفل البهيج في ذاكرة الحضور ووجدانهم، مخلدين سطورًا في صفحات التاريخ لانموذج التكاملية فيما بين العادات والتقاليد وبين الطقوس الإنسانية تحت مظلة الدين الإسلامي الحنيف..
وفي لحظة تأمل لا تخلو من الامتنان، وجدت نفسي أشارك بعرس الوطن المجيد لهذا العام المميز “2025 “من خلال ابنتي الجميلة التي ما انفكت عني طوال فترة إقامتي الاستثنائية..
حيث أصرت على أن أقطن معها فترة أطول !! فمكثت في الرياض بضعة أسابيع مستمتعة بالأجواءِ الخلابة والأمسيات الرائعة، وعندما دنت ساعة العودة لبيتي دق عقربها على أوتار قلبي حزنًا على الفراق!! ثم استودعت الله ابنتي وحياتها الجديدة وآثرت أن أتركها مع جملة من أغراضي الشخصية علَّها تأنس بها في غيابي (تولة دهن العود الملكي المفضل عند جدها -رحمةُ الله عليه- وشاح المخمل القرمزي الذي أتوشح به ليلًا، عبوة كحل الإثمد الذي ورثته من أمي الرؤوم -رحمها الله- وساعة والدها الراحل التي ما فارقت معصمي منذ وفاته -رحمه الله-)
والجميل في الأمر أنه عندما خرجت من الرياض تاركة فيها جزء من روحي؛ استقبلني ما تبقى منها في باحة منزلي وأروقته!! وبزوايا غرفة ابنتي الحبيبة.
كــفــــاح