بقلم المستشارة أسحار بنت يوسف مستشارة ادارية في الجودة الشاملة و التدريب و مستشارة نفسية
في مقاهي القهوة في الصباح حيث يختلط عبق القهوة المحمصة بثرثرة الحياة، أو على ضفاف الروتين حيث تلتقي أشعة الشمس بصخب الحياة العريق، ندرك شيئاً عميقاً عن أرواحنا ؛ إننا لا نعيش اليوم مجرد حياة سريعة، بل نسكن في حضرة صخب لا يهدأ. لم يعد الضجيج محصوراً في أزقة المدن المكتظة، او الشوارع المزدحمة بل تسلل بهدوء ليحتل أعماقنا، مفرزاً حالةً تشبه العاصفة في وجداننا تُعرف بـ “الضجيج الدماغي” وتتبعها ظاهرة “فوضى الحواس”. هنا أدعوكم لنبطئ الخطى و نتبارك بنعمة اللحظة التي رزقنا اياها الرحمن .
تماماً مثل طقوس إعداد القهوة التي تحتاج إلى مهل وتأنٍ، فإن الدماغ البشري يشبه ملاذاً هادئاً صُمم ليتأمل الحياة ببطء ، لا ليُجبَرَ في عصرنا الرقمي على تشغيل مئات الأفكار في الخلفية معاً. يمثل الضجيج الدماغي تلك الحالة التراجيدية التي يفقد فيها العقل قدرته على التصفية، فتتزاحم الوجوه المؤجلة، والمخاوف الهامشية، والسيناريوهات الوهمية في مساحة ضيقة من الروح. وينتج عن هذا الصخب الداخلي تفكير مفرط يستنزف طاقة القلب في اجترار التفاصيل، وتشويش في التركيز يحرمنا من متعة ارتشاف الحاضر ، ليتحول ببطء إلى إرهاق صامت يخيم على الروح حتى مع إشراقة كل صباح.
وإذا كان الضجيج الدماغي يُحاك في خفاء العقل، فإن فوضى الحواس هي ذلك العناق العنيف بين أعصابنا وبيئتنا المزدحمة. تماماً كمن يقف وسط البلدة القديمة وقت الذروة، تتعرض أرواحنا وجلودنا وأعيننا وآذاننا لكل هذا “الكم الهائل ”
من المُدخلات التي تتجاوز قدرتنا البشرية على التحمل؛ من إضاءة الشاشات الباردة إلى صخب الإشعارات المتواصل. وعندما تعجز حواسنا عن احتواء هذا الفيض، يدخل الجسد في حالة دفاع متوترة، فترتفع موجات التوتر، وتتخشب العضلات، ويهتز الهدوء الداخلي لأفهّ الأسباب، كأن شيئاً من طمأنينتنا قد تسرّب في زحمة المدى.
إن الانسياق خلف وهم “الإنتاجية المطلقة”عن طريق الاتصال و التواصل المستمر بلا توقف … يسرق منك أجمل ما في الأيام. إن الضريبة الخفية لركضك المستمر هي تراجع العمق الإبداعي الذي يحتاج إلى فراغ و روتينٍ صحي، اذا تآكلَ الحضور الذهني نصبح أجساداً بلا أرواح، فضلاً عن الوصول إلى الاحتراق النفسي .
الوعيُ بهذا الوجع هو أول خطوة نحو الشفاء، أن تترك العالم خلف باب البيت فلا يدخل البيتَ معك ؛ هنا تماما يبدأ هذا العلاج بممارسة “الصمت الرقمي” عبر إغلاق الهواتف بحزم والانعزال لبعض الوقت مع فنجان القهوة الدافئ على طريقة الطيبين كما يفعل البدوي اذا عانقت عيناه سماء الصحراء . حينها لا شاشات تقاطع صفاء النظر. ويمتد الأمرُ نحو تطبيق “حمية المُدخلات الحسية” بالجلوس في زاوية هادئة ومنخفضة الإضاءة، وإطلاق العنان للتنفس العميق ليعيد ترتيب نبضات القلب. كما يشكل التفريغ الكتابي للخواطر أداة لتطهير الذاكرة العاملة، إلى جانب العودة إلى الطبيعة وفن “أحادية المهمة”؛ فنحن لا نستمتع بالطعام إلا إذا تذوقناه بكل جوارحنا، ولا نعيش الحياة إلا إذا كُنا فيها بكل حضورنا و اقول حضورُنا و ليس تواجدُنا فالتواجد شيء و الحضور شيءٌ آخر …
إن العناية بصحتنا العقلية والحسية ليست ترفاً عابراً، بل هي فن من فنون العيش الراقي. ألا تستحقُ أن تمنح نفسكَ استراحة حقيقية و تخفضَ من صخب العالم الخارجي ؟
كي تستمعَ بوضوح إلى همس روحك الهادئة ؟ كيف هذا ؟ أنا أخبرك ؛ بالدعوةِ و العودةِ إلى أحادية المهمة ؛ في كل مرة مهمةٌ واحدة ….لا لتعدد الاعمال معاً…. لم نُخلق لهذا فلسنا روبوتات ….و ميزتنا التشبع في المهمة و التشبع منها .. هي ميزتنا تماماً كما أن ميزة الروبوتات تعدد المهمات ….
مهمةٌ واحدةٌ في كل مرة تلو المرة ؛ هلموا إلى أُحادية المهمة
و من سنّ سنةً حسنة فله أجرها و أجر من عملَ بها … علّها تكون المنقذ في حضرةِ صخبٍ لا يهدأ …