بقلم المستشارة أسحار بنت يوسف
بنت المملكتين
مستشارة ادارية و نفسية
خبير تطوير و تدريب
تمر بنا في الحياة أوقات يجد المرء فيها نفسه أمام مواقف وأحداث تتجاوز قدرته على التغيير، وأمور خارجة تماماً عن نطاق سيطرته وحدوده الشخصية. في مثل هذه اللحظات، حين يعجز الفكر عن إيجاد مخرج وتثقل الشكوك والضغوط كاهل الروح، يحاول العقل في الغالب الصراع مع المجهول، مما يضاعف القلق ويستهلك الطاقة النفسية بلا جدوى. إن الحكمة الحقيقية لا تكمن في محاولة توجيه الرياح، بل في كيفية ضبط الأشرعة واللجوء إلى مساحات الأمان والسكينة الداخلية التي نملك زمامها بالفعل، وألا يلهيك ما هو خارج حدود سيطرتك عن ما هو داخل حدودها.
أول الملاذات وأعظمها ثباتاً أمام هذه العواصف هو ذكر الله تعالى. إن تفويض الأمر لله واستحضار معاني القوة والإحاطة الإلهية يمنح النفس طمأنينة لا تزلزلها أحداث العالم الخارجي. عندما يدرك الإنسان بعمق أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن هناك تدبيراً حكيماً يعلو فوق كل التدابير البشرية، يهدأ الاضطراب الداخلي وينتقل القلب من حالة الصراع المجهد إلى الاستسلام الواعي والرضا الشافي، فيغدو الذكر حصناً يتجدد فيه اليقين والأمل. يضاف إلى ذلك الدعاء للوطن بالاستقرار والأمان، فهو توسل خالص يحفظ للأرواح سكينتها ويعمق الانتماء واليقين بأن حفظ الأوطان ركون إلى ركن شديد.
وفي طيات هذا الهدوء واللجوء الإيماني، تأتي قوة المهمات الروتينية البسيطة والنافعة المريحة للنفس كأداة عملية لإعادة تنظيم الشتات. حين تشعر أن العالم من حولك يخرج عن السيطرة، فإن إنجاز الأعمال اليومية الاعتيادية يعيد إليك إحساساً متوازناً بالقدرة والفاعلية. ويكتمل هذا التوازن بالاهتمام بأن يكون المحيط نظيفاً مرتباً، فالنظام البصري ينعكس على صفاء الذهن ويهدئ روع الفكر. كما أن الحرص على النوم الكافٍ يمنح الجسد والعقل الراحة اللازمة لمواجهة الأيام بوعي وصلابة.
ولا تقف العناية بالذات عند حدود الداخل فحسب، بل تمتد لتلامس روح العطاء من خلال التبرع بالدم في الحملات المباركة، وهو فعل إنساني نبيل يربط الفرد بمجتمعه ويمنح النفس شعوراً عميقاً بالرضا والجدوى.و لزوم المنزل يلعبُ دوراً أساسياً في حماية الروح من المشتتات والضغوط الخارجية. فالبيت ليس مجرد جدران، بل هو الملاذ الآمن والبيئة الحقيقية لتقليل صخب الأحداث وفوضى المثيرات. الانكفاء الواعي على الذات والحد من الخروج والدخول بلا داعٍ يتيح للذهن الفرصة ليعيد ترميم نفسه بعيداً عن المؤثرات السلبية، مما يتيح استغلال الوقت في القراءة، التأمل، أو أداء التكاليف النافعة التي تعود بالخير على النفس وعلى الأسرة.
ويكتمل هذا السور الوقائي بالاعتماد على الصمت إلا لضرورة. في أوقات الأزمات والغموض، يميل البشر غالباً إلى الثرثرة والتكهن، مما يزيد من انتشار الشائعات وتضخيم المخاوف. إن ممارسة الصمت بوعي تحمي العقل من الانجرار خلف الحوارات العقيمة، وتصون الطاقة الذهنية من الضياع. الصمت هنا ليس انسحاباً أو سلبيّة، بل هو موقف رزين يتيح لك الاستماع لداخلك، وتقييم الأمور بوضوح، والتحدث فقط عندما يكون لكلامك أثرٌ نافعٌ أو ضرورة ملحة لك و للوطن .
إن التعامل مع ما هو خارج حدود سيطرتنا ينحصر في تحويل البوصلة من حجم المشكلة الخارجي إلى جودة الاستجابة في داخلك . حين نعتصم بذكر الله، وننشغل بالصالح من روتيننا النافع، ونحيط أنفسنا بالنظام والنوم الكافي، ونبذل الخير عبر التبرع بالدم والدعاء للوطن و الشهداء والجرحى و للصقور الأشاوس ملتزمين مساحاتنا الآمنة وازنين كلماتنا بميزان الصمت والنفع؛ نكتشف أن السكينة لم تكن يوماً في تغيير العالم حولنا، بل في ترتيب العالم الموجود في أعماقنا لنرد على الوطن التحية
و عليك السلام و الأمان
يا سيد الأوطان …