بقلم د.حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة السابعة عشر
ليلة بدر… حين فُتحت أبواب السماء
لم يكن الليل في بدر كغيره من الليالي.
سكون يلف الوادي… والرمال ساكنة… لكن القلوب كانت تضج باليقين.
ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فقط يقفون أمام جيش يقارب الألف.
ليلة يعلم فيها الجميع أن الفجر القادم لن يكون كأي فجر مرّ على الجزيرة.
في العريش الذي بناه الصحابة للنبي ﷺ وقف رسول الله طويلاً يناجي ربّه.
رفع يديه إلى السماء… وارتفعت معه قلوب الأمة.
وكان من دعائه تلك الليلة:
«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض».
ظل يكرر الدعاء ويطيل الابتهال حتى سقط رداؤه من على كتفيه من شدة التضرع.
اقترب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأخذ الرداء ووضعه على كتفي النبي ﷺ وقال:
«يا رسول الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعدك».
كانت لحظة عظيمة… نبي يبكي بين يدي ربّه، وصاحب يذكّره بوعد السماء.
وفي تلك اللحظات بدأت السماء تتحرك.
قال الله تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9).
كان المدد ينزل… ملائكة تتتابع صفوفاً بعد صفوف.
وروى الصحابة أنهم كانوا يسمعون في المعركة صوت السوط فوق رؤوس المشركين ويسقط الرجل منهم قبل أن يصل إليه سيف مسلم.
وكان أحدهم يسمع صوتاً يقول: «أقدِمْ حَيْزُوم». كأن السماء تشارك الأرض في المعركة.
لكن هناك مشهداً آخر كان يحدث في معسكر قريش.
جاء الشيطان في صورة سراقة بن مالك يثبّت قلوبهم ويقول:
«لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم».
فلما رأى الملائكة نزلت خائفاً وهارباً.
قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ (الأنفال: 48).
هرب الشيطان وتركهم لمصيرهم.
ومع اقتراب الفجر خرج النبي ﷺ إلى ساحة بدر ينظر إلى الوادي بهدوء عجيب.
ثم أخذ يشير إلى مواضع في الأرض ويقول:
«هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله… وهذا مصرع فلان».
وكان يضع يده على الأرض.
قال الصحابة بعد المعركة: ما أخطأ موضع يد النبي ﷺ شبراً واحداً.
وبدأت الشمس تقترب من الأفق…
اصطف الجيشان وسكنت الأنفاس.
ثم خرج من صفوف قريش ثلاثة من كبارهم:
عتبة بن ربيعة… وأخوه شيبة… وابنه الوليد.
وقفوا في وسط الميدان يطلبون المبارزة.
وهنا بدأت أول لحظة من لحظات بدر… لكن قصة المبارزة لها حديث آخر.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واجعل ما نكتبه وننشره خالصاً لوجهك الكريم، وانفع به القلوب والعقول، واجعله نوراً وهداية للناس.
اللهم اجعل ما أكتبه وأنشره في هذا الشهر صدقة جارية عني وعن والدي وأزواجي وذريتي وإخواني وأصدقائي ومن شارك بالنشر من المسلمين.