بقلم د . حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الثامنة
١٤٤٧هـ
في الليلة الثامنة يبدأ الصادقون يشعرون بالفارق… لم يعد رمضان ضيفاً جديداً، ولم تعد الحماسة الأولى وحدها هي الدافع. هنا يظهر سؤال خفي: هل كنت أعبد الله في رمضان… أم أعبد الشعور برمضان؟
الليالي الأولى يسندها الشوق، لكن الليلة الثامنة يسندها الثبات. رمضان ليس موجة عاطفية، بل عبادة مستمرة. والقلوب لا تُختبر في البدايات، بل في المنتصف. منتصف الطريق هو مكان الفرز الحقيقي: من كان لله… بقي، ومن كان للعادة… فتر.
تأملوا قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ لم يقل حتى تنتهي الحماسة، ولا حتى تشعر باللذة، بل حتى يأتيك اليقين.
في هذه الليلة اسأل نفسك: هل تغيّرت صلاتي؟ هل رقّ قلبي؟ هل خفّ لساني من الغيبة؟ هل اقتربت من القرآن أم ما زلت أزوره زيارة عابرة؟
رمضان مدرسة، لكن النجاح فيها لا يُقاس بعدد الركعات فقط، بل بعدد العيوب التي غادرتنا. كان بعض السلف إذا مضت أيام من رمضان بكى، لا خوفاً من انتهائه، بل خوفاً أن يخرج منه كما دخل.
الليلة الثامنة تقول لنا بهدوء: لا تجعل عبادتك موسمية، ولا تجعل صدقك مؤقتاً، ولا تجعل القرآن ضيفاً عابراً. رمضان فرصة إعادة ضبط القلب، وكل ليلة تمضي دون مراجعة… خسارة.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، واجعل رمضان بداية لا تنتهي بانتهائه، وأصلح سرائرنا قبل علانيتنا، واكتب لنا فيه ثباتاً حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.