بقلم د. طلق المسعودي
من الجزائر إلى مصر، ومن الكويت إلى البحرين، ومن فلسطين إلى البوسنة.. حين تستدعي المواقف الوفاء، يتحدث تاريخ المملكة العربية السعودية قبل أن تتحدث الكلمات.
تُعرف الدول الحقيقية بمواقفها في أوقات الشدة، لا بما تقوله في الظروف المواتية. وفي سجل العلاقات العربية والإسلامية، حضرت المملكة العربية السعودية سياسيًا وماليًا وإنسانيًا في محطات مفصلية، انطلاقًا من رؤيتها لواجب التضامن ومساندة الأشقاء.
أولًا: دعم قضايا التحرر العربي
الجزائر.. مساندة الثورة قبل الاستقلال
منذ اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، دعمت المملكة حق الشعب الجزائري في التحرر من الاستعمار الفرنسي، وسعت إلى إيصال قضيته إلى المحافل الدولية، كما شاركت في حملات التبرع والمساندة المالية.
ولم تنتظر المملكة استقلال الجزائر حتى تقف إلى جانبها، بل ساندتها وهي تخوض معركة التحرر، سياسيًا وماليًا، حتى نالت استقلالها عام 1962. وكان ذلك دعمًا لقضية شعب عربي في تقرير مصيره، لا مجرد مساعدة عابرة.
مصر.. من العدوان الثلاثي إلى حرب أكتوبر
وقفت المملكة مع مصر في محطات مصيرية عدة. ففي العدوان الثلاثي عام 1956، أعلنت دعمها لمصر، ورفعت الاستعداد العسكري، وفتحت باب التطوع، وأوقفت صادرات النفط إلى بريطانيا وفرنسا، واتخذت إجراءات دبلوماسية ضدهما.
وبعد حرب 1967، شاركت السعودية في الجهود العربية لدعم دول المواجهة، ثم كان لها دور محوري في التضامن العربي خلال حرب أكتوبر 1973، عبر خفض إنتاج النفط ووقف الإمدادات عن الدول الداعمة لإسرائيل، إلى جانب تقديم الدعم المالي والسياسي لمصر.
وهكذا تجاوز الموقف السعودي حدود التصريحات، ليشمل أدوات سياسية واقتصادية ومالية في لحظة عربية حاسمة.
ثانيًا: فلسطين.. قضية ثابتة في السياسة السعودية
ظلت فلسطين والقدس في صميم الموقف السعودي، سياسيًا ودبلوماسيًا وماليًا. فقد أسهم الملك فيصل في توسيع دائرة التضامن الإسلامي مع القدس بعد إحراق المسجد الأقصى عام 1969، كما طرح الملك فهد مبادرة للسلام عام 1981، أُقرت عربيًا عام 1982.
وفي عام 2000، دعمت المملكة إنشاء صندوقي انتفاضة القدس والأقصى، وقدمت مساهمات لدعم الشعب الفلسطيني وأسر الشهداء والجرحى. ثم جاءت مبادرة السلام العربية عام 2002، التي طرحها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وقدمت تصورًا عربيًا شاملًا يقوم على الانسحاب من الأراضي المحتلة، وإقامة الدولة الفلسطينية، وحل قضية اللاجئين، مقابل السلام وإنهاء الصراع.
وتؤكد هذه المحطات أن دعم فلسطين لم يكن شعارًا، بل مسارًا سياسيًا وماليًا متواصلًا.
ثالثًا: حماية أمن الخليج ومساندة الأشقاء
الكويت.. حين أصبحت محنة الجار محنة الوطن
عقب الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990، تحركت المملكة سياسيًا وعسكريًا، واحتضنت الحكومة الكويتية الشرعية، واستقبلت المواطنين الكويتيين، وأسهمت في تشكيل التحالف الدولي وتوفير الدعم اللوجستي للقوات المشاركة في التحرير.
وكان الموقف السعودي امتدادًا لمبدأ أن أمن دول الخليج كل لا يتجزأ، وأن الاعتداء على دولة خليجية يهدد المنطقة بأسرها. وانتهت الجهود بتحرير الكويت وعودة الشرعية إليها عام 1991.
البحرين.. أمن مشترك ومسؤولية متبادلة
في مارس 2011، شاركت قوات سعودية ضمن قوات درع الجزيرة في البحرين، استجابة لطلب حكومتها، في إطار مفهوم الأمن الخليجي المشترك.
ومع اختلاف التقييمات السياسية لتلك المرحلة، فإنها تظل محطة واضحة في التعاون السعودي البحريني، وتعبيرًا عن ترابط أمن دول مجلس التعاون.
رابعًا: التضامن مع الدول الإسلامية
باكستان.. علاقة تتجاوز الجغرافيا
اعترفت المملكة بباكستان بعد استقلالها عام 1947، ووقعت معها معاهدة صداقة عام 1951، ثم تطورت العلاقات إلى تعاون سياسي واقتصادي ودفاعي.
وخلال حربي باكستان مع الهند عامي 1965 و1971، قدمت المملكة دعمًا سياسيًا واقتصاديًا، واستمر التعاون بين البلدين عبر المساعدات والاستثمارات والدعم النفطي ومجالات أخرى. ويعكس ذلك اتساع دائرة التضامن السعودي لتشمل الدول الإسلامية، لا الدول العربية وحدها.
البوسنة والهرسك.. دعم إنساني وسياسي
خلال حرب البوسنة في تسعينيات القرن الماضي، أنشأت المملكة عام 1992 اللجنة السعودية العليا لجمع التبرعات، وقدمت مساعدات غذائية وطبية وإغاثية، ثم ساهمت في إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات ومرافق المياه والكهرباء.
كما دعمت المملكة القضية البوسنية سياسيًا، وساندت حق الشعب البوسني، وأسهمت في لفت الانتباه إلى الجرائم التي تعرض لها. وتكامل الدعم الإنساني مع الموقف السياسي في وقت كانت فيه الحاجة إلى المساندة الدولية كبيرة.
خامسًا: الوساطة وإعادة بناء الدول
لبنان.. من إنهاء الحرب إلى دعم الدولة
ارتبط الدور السعودي في لبنان بالجهود العربية التي أفضت إلى اتفاق الطائف عام 1989، الذي شكل أساسًا لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة تنظيم الحياة السياسية.
ولم يتوقف الدعم عند الوساطة، بل استمر في مساندة استقرار لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، ودعم مؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد. وتوضح التجربة اللبنانية أن نصرة الأشقاء قد تكون عبر الوساطة وجمع الأطراف، لا عبر الدعم المالي أو العسكري وحده.
الوفاء.. ذاكرة لا تمحوها الخلافات
لا يعني استعراض هذه المواقف أن العلاقات بين الدول خلت من الخلافات، أو أن كل السياسات كانت محل اتفاق؛ لكنه يثبت أن المملكة قدمت دعمًا سياسيًا وماليًا وإنسانيًا وعسكريًا لأشقائها في أوقات صعبة.
فالوفاء ليس شعارًا، بل مواقف تتراكم عبر الزمن. ومن الإنصاف ألا يُمحى التاريخ بسبب خلاف عابر أو تصريح آني، وألا تُنسى الدول التي وقفت إلى جانب أشقائها حين اشتدت الأزمات.
إن الحديث عن مواقف السعودية ليس مطالبة برد الجميل، ولا تحويل العلاقات إلى دفتر حسابات، بل تذكير بأن للأخوة تاريخًا، وللمواقف ذاكرة، وأن من الوفاء ألا ننسى من وقف معنا حين احتجنا إليه.
لقد ساندت المملكة الجزائر في ثورتها، ووقفت مع مصر في حروبها، وأسهمت في تحرير الكويت، وتعاونت مع البحرين في إطار أمن الخليج، ودعمت فلسطين، وقدمت العون لباكستان والبوسنة ولبنان وغيرها. ولذلك ينبغي قراءة مواقفها في سياقها التاريخي الكامل، لا اختزالها في خلاف عابر.
فالأوطان تُعرف عند الشدائد، والدول العريقة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما يثبته تاريخها من أفعال.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادة وشعبًا، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ الدول العربية والإسلامية، وجعل الوفاء والتعاون والتضامن أساسًا لعلاقاتها، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات وصون كرامة شعوبها ومستقبل أجيالها.