بقلم المستشارة أسحار بنت يوسف
مستشارة ادارية و نفسية
خبير تطوير و تدريب
في عالمٍ يقدّس النتائج النهائية ويحتفي بالمنصات البراقة، نسينا أن النصر الحقيقي لا يولد في لحظة التتويج، بل في الكواليس المظلمة حيث تتكرر العثرات. لقد أحيط مفهوم “الفشل” بهالة من الخوف والرهبة، بينما هو في حقيقته ليس إلا الحطب الذي يُوقد شعلة الفلاح . إن الذود عن الفشل ليس دفاعاً عن الهزيمة، بل هو انحيازٌ منصف لـ شرف المحاولة.
خطؤك دليل أنك تحاول فالعاطلون عن الحركة هم وحدهم الذين لا يخطئون. خطؤك ليس وصمة عار، بل هو شهادة حية وحجة دامغة على أنك خضت التجربة مشكوراً . كل سقطة هي تجربة تُضاف إلى رصيدك، وكل خطأ هو إشارة تدلك على الطريق الصحيح. المحاولة في حد ذاتها بطولة، والجرأة على البدء وسط الاحتمالات المجهولة هي شرف لا يناله إلا الساعون. و الصبر كما اقول دوما هو مهارة الواصلين .
تأمل لو دخلت المطبخ يوماً لتعدّ طبقاً من الحلوى؛ تحضر مكوناتها أولاً من طحينٍ وحليبٍ وسكر و مجهودٍ و دقةٍ فأنت لا تأتي بالحلوى من العدم . كذلك هو النجاح؛ لا يأتيك جاهزاً في طبق من فضة، بل هو نتاج تجميع مكونات أساسية لا غنى عنها
المحاولات الفاشلة المتكررة تصقل خبرتك و الاستمرار والانضباط يبقيانك على الطريق و الصبر والتحمّل يمنحانك القدرة على مواجهة التحديات بسلام .
بدون هذه المكونات البسيطة والمعجونة بالعثرات، لا يمكن لفلاحٍ أن يستقيم .
الفشل صديقك و معلمك ، يعلمك الدرس ، الفشل ليس هزيمة و فرق بين الاثنين ، الهزيمة ألاّ تبدأ بحجة السعي لإنجازٍ لا نقص فيه . كل ما تأجله لفترة طويلة يصبح ثقيلاً على روحك، ليس لضخامته الحقيقية، بل لثقل تأجيلك إياه تراكمياً في عقلك. الحقيقة العجيبة هي أن الأمر الذي تستثقله غالباً ما يحتاج منك مجهوداً و ظرفاً أقل بكثير مما تتخيل؛ كل ما يطلبه هو أن تخطو الخطوة الأولى وتكسر حاجز الخوف . فلو صادقت الفشل ستصدق عقلك بسؤال ؛ ما المخيف في أن افشل ؟
في زمن الرقمية المفرطة والأدوات المعقدة، يبقى القلم والورقة و عن تجربةٍ أرقى وأعمق ما يمكنك استخدامه لتعرف نفسك و ذاتك أكثر من كل التكنولوجيا حولك. عندما تجلس مع ذاتك وتدون مشاعرك، خيباتك، وأفكارك المشوشة، تبدأ في تفكيك الخوف من الفشل. القلم يجعلك تواجِه مخاوفك بشجاعة، والورقة تتسع لكل محاولاتك دون أن تحكم عليك.
توماس اديسون العالم و المخترع المعروف الذي انار العالم فشل ١٠٠ مرة قبل ان ينجح في اضاءة العالم بالانوار و قال ان ١٠٠ محاولة الفاشلة كانوا السلم الذي صعد عليه . ما لا يعلمه كثيرون هو أنه لم يكن اول من اخترع فكرة المصباح الكهربائي (المتوهج ) بل سبقه للفكرة العالم فريدريك دي مولينز قبل نجاح اديسون ب ٣٨ عاما لكن تخيلوا اعزائي القرّاء أن الفارق كان في تعاملِ كلٍ منهما مع الفشل ؛ الاول رأى الفشل ختاماً لشرف المحاولات العديدة و سجل التاريخ العلمي له هذه المحاولة لأنّ مصباحه المتوهج لم يصمد اطلاقا بينما أخذَ الآخر الفكرة التي لم تصمد مع سابقه و عدّل عليها و اهداها ١٠٠ محاولة من عمره و وقته و أمله فأنار العالم .
إن الفشل ليس نهاية المطاف، بل هو البوابة الوحيدة للوصول إلى النضج. التقُط قلمك، ابدأ في تجميع مكونات سعيك، واعلم أن شرف المحاولة يكفيك ليجعل من كل خطوة تُخطوها _حتى وإن تعثرت – حكاية تستحق أن تُروى و لو أن ترويها لروحك في دفتر تدوينك فتقول لنفسك أحسنت لم يهزمكِ الفشل ، و ماذا تعلمت من أخطائك معلموك الأوائل .
في عالم نسي قدسية شرف المحاولة لا تنسوا أنَّ أخطاءكم هم أعزُّ أصدقائكم و أولُ معلميكم . كل مساء حين أضيء مصباح الكهرباء في الصالة لا أرى أديسون الشهير بل أديسون الحمول الصبور .. أرى رقم مئة في شعيرات المصباح يتبسمُ معلناً أن النجاح لا يكون دون الفشل بل في رحم الفشل يختبئ النجاح و ينتظر هل من مثابر هل من صابر هل من حكيم ؟ ففي النقص لا في الكمال يختبئ الدرس و الجمال