اللواء الركن م. الدكتور
بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود
طالعت مقالاً للأخ خالد الباتلي بعنوان “اختطف الأكاديميون التعليم العام، فمن يعيده إلى أهله؟”، تم نشره في جريدة عكاظ في الثامن من شهر يوليو لعامنا هذا، خلاصته: ضرورة إتاحة الفرصة لمن هم في ميدان التعليم العام في المدارس وإدارات التعليم من قادة مدارس ومعلمين ومشرفين تربويين، للإسهام مع الأكاديميين المعنيين بشأن تحديد سياسة التعليم، وضرورة عدم انفراد الأخيرين بها.
والحقيقة أثار المقال شجوني كأحد المهتمين بموضوع التعليم في بلادنا، إضافة إلى أنني كنت أيضاً أحد الذين تشرفوا بخدمة بلادنا في هذا المجال الحيوي المهم الذي يُعَدُّ حقَّاً أحد أهم أسباب التنمية والتقدم، إن لم يكن السبب الوحيد، خلال عملي مديراً لإدارة الثقافة والتعليم بقواتنا المسلحة الباسلة؛ مما دفعني للإدلاء بدلوي اليوم في هذا الموضوع المهم.
فأقول بداية، ما سادت أمريكا اليوم العالم إلا بالتعليم، ولم يضطرها المارد الأصفر لكي تتحسس موضع قدميها على الأرض إلا بالتعليم، ولم تزاحمهما الهند التي تصدِّر للدولة العظمى سنوياً عمالة تقنية بملياري دولار، لتجعل عرشهما يهتز إلا بالتعليم. وها هي تايوان التي يُعَدُّ اقتصادها أحد أقوى اقتصادات العالم، إذ يحتل المرتبة الرابعة عالمياً في مؤشر الحرية الاقتصادية، مع أنها لا تمتلك موارد طبيعية تذكر، ويرتكز اقتصادها بالدرجة الأولى على التعليم المتقدم، الاستثمارات الأجنبية والصناعات التقنية المتقدمة، لاسيَّما أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، التي تشكل أكثر من (60%) من الإنتاج العالمي للرقائق، ويشكل هذا (80%) من إجمالي صادراتها، مُشَكِّلَة بهذا الإنتاج النوعي ركيزة أساسية في سلاسل التوريد التقنية العالمية.
وتلك هي سنغافورة ذات الموارد الطبيعية المحدودة كتايوان، تحتل المرتبة الأولى عالمياً لسنوات في جودة التعليم، وفقاً لإحصائيات برنامج التقييم الدولي للطلاب التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويتفوق طلابها باستمرار في مواد العلوم والرياضيات والقراءة، إضافة لتصدرها التصنيفات العالمية الأخرى كدراسة الاتجاهات الدولية في العلوم والرياضيات. أما اليابان، فبسبب تقدم التعليم فيها وما حققه من رفاهية وجودة حياة لأهلها، أصبح الناس يرون فيها كوكباً آخر، وليس مجرد دولة ضمن كوكبنا.
ولما كان لدينا من الطموح وتوافر الإمكانيات، إضافة لاهتمام القيادة الرشيدة وحرصها ودعمها السخي لمسيرة التعليم خاصة، ما يجعلنا نطمح لكي نكون في مصاف تلك الدول، كنَّا اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي، في حاجة حقيقية ليغادر تعليمنا منطقة الراحة الطويلة الممتدة التي اتسمت بهذا التقليد الرتيب، إلى فضاء أرحب بفكر حديث، نساهم فيه جميعاً من أكاديميين، أهل ميدان من معنيين بتنفيذ سياسة التعليم، إضافة إلى كل مهتم بالتعليم من المواطنين العاديين.
وعليه أرى ضرورة تأسيس مركز وطني خاص بأبحاث تطوير التعليم، يُعْنَى بتطوير المناهج لتواكب سرعة التقدم التقني الذي تشهده كثير من دول العالم اليوم، إضافة لتطوير أساليب التدريس وجودة التعليم وتنمية الإبداع والقدرة على الابتكار، بحيث تتاح الفرصة لكل من لديه فكر في هذا المجال أو رؤية متميزة، بمن فيهم أولياء الأمور الذين أرى ضرورة مشاركتهم بفاعلية.
وهكذا نتجه بتعليمنا نحو فهم أعمق للمفاهيم والتَّعَلُّم الذي يركز على حل المشكلات من خلال تنمية المهارات وتطوير الاهتمامات والأهداف، وتعزيز فكرة التعلم مدى الحياة لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة كالذكاء الاصطناعي والأتمتة. وقطعاً يتم هذا عن طريق الحد من ثقافة التحصيل الدراسي في المدارس، وإتاحة مزيد من الوقت للطلاب في ممارسة هواياتهم وشغفهم لتنمية مهاراتهم وتوسيع مدى إدراكهم.
وعلى كل حال، مع أن الأمر يبدو لي في تساؤل الأخ خالد الباتلي في مقاله الذي أشرت إليه، كحكاية البيضة والدجاجة، أيهما جاء أولاً، إلا أنني اتفق إلى حد كبير مع كثير مما ذهب إليه، من أن كل ما طرأ على إستراتيجيات التعليم في بلادنا هو مجرد تغيير شكلي، لم يتجاوز المسميات كثيراً ليغادر منطقة الراحة لإحداث فارق حقيقي؛ إذ ما زالت فكرة التعليم لدينا ترتكز على حفظ المعلومات عن ظهر قلب، دونما فهم عميق لمعناها بشكل دقيق، ودون أن يبدي نظام تعليمنا أي اهتمام إذا ما كان الطالب ليتذكر ما درسه أم لا، بعد أن يحرز درجة جيدة أو قل حتى درجة ممتازة في اختبار نهاية السنة. ولهذا نلاحظ انفصالاً تاماً لطالب الصف الثاني مثلاً في أي مرحلة، عمَّا درسه في الصف الأول، وهكذا دواليك.
هنا تغيب فكرة التعلم مدى الحياة المهمة، لأن هم كل طالب/طالبة اليوم هو إفراغ ما تم حفظه من معلومات أثناء الدراسة لإحراز أفضل درجة ممكنة في الاختبارات، والانتقال من صف لآخر أو من مرحلة لأخرى حتى يكمل الواحد منهم تعليمه الجامعي ومن ثم يحصل على وظيفة، ويصبح موظفاً يؤدي عملاً يومياً رتيباً، كل همه تنفيذ السياسات التشغيلية لجهة عمله إن كانت في القطاع العام أو الخاص، ويبقى الاهتمام بعدها محصوراً في الترقيات وما يمكن الحصول عليه من امتيازات، دون أدني قدرة أو حتى رغبة جادة في إضافة أي فكر جديد لتطوير العمل لتعظيم الناتج.
ويحضرني هنا تأكيد أخي العزيز الغالي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء ولي العهد القوي بالله الأمين دوماً: أعظم مورد تمتلكه بلادنا هو إنسانها. وعليه كان لا بد للجهات المسؤولة عن تعليم أبنائنا، رجال المستقبل الزاهر وأمهاته، التفكير خارج الصندوق لتعظيم رأس المال البشري هذا بابتكار نظام تعليم يصنع فارقاً حقيقياً، يؤهل أبناءنا وبناتنا ليكونوا علماء وعباقرة في مختلف المجالات من خلال رحلة تعليم ممتعة شيقة تستمر مدى الحياة، ترتكز على ثوابت مهمة كتعزيز الانتماء الوطني الذي يُعَدُّ المحرك الأساسي للجد والاجتهاد، ترسيخ الثقة بالنفس لتعزيز القدرة على التعلم الذاتي للمخاطرة والإقدام لاكتشاف المجهول من خلال البحث العلمي، تنمية الوعي المجتمعي عن طريق الاهتمام بالتفاعل الاجتماعي بين الطلاب، ترسيخ التربية الأخلاقية، توفير برامج إثرائية، الاهتمام بالنشاطات اللاصفية التي تدعم الجهد الأكاديمي، تطوير علم النفس المعرفي والاهتمام بفئة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة من خلال التشخيص المبكر والتدخل الفوري لمعالجة صعوبات التعلم.
ويجدر بالذكر هنا تجربة سنغافورة الرائدة في هذا المجال، التي عملت مبكراً على تأسيس معهد يُعْنَى بدراسة آلية عمل الدماغ لأطفالها في سن مبكرة، مما ساعدها في معرفة ميولهم وفق قدراتهم الذهنية، وبالتالي توجيه كل واحد في المجال الذي يمكنه التفوق فيه بناءً على نقاط قوتهم هنا أو هنالك. وأقول هنا، عطفاً على تجربة سنغافورة: لماذا لا نغادر منطقة الراحة من حصر الطلاب في مسار ثابت علمي/أدبي، ونتيح لهم الفرصة بداية من السنة الأولى في التعليم الثانوي مثلاً لاختيار مادة واحدة أو مادتين على أكثر تقدير للاستمرار فيها ومواصلة تعلمها في الجامعة والدراسات العليا، ليكون التحصيل أفضل، وكذلك القدرة على الإبداع والابتكار وإضافة الجديد، بدلاً من تخريج هذا الكم الهائل من الطلاب سنوياً بمستوى معرفة عادي، بل أحياناً أكثر من عادي؟!.
ولا يفوتني هنا أيضاً الإشارة إلى أن كل ما اطلعت عليه من آراء المهتمين بتعليم ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، يؤكد ضرورة الاهتمام بدمجهم في نظام التعليم مع الأسوياء حكومي/أهلي، لأن تخصيص مؤسسات تعليمية خاصة بتلك الفئة، يُعَدُّ أكبر عقبة في طريق تعليمهم، إضافة إلى أنه يرسِّخ في ذهنهم أنهم ليسوا أسوياء، بل لن يكونوا كذلك أبداً، مما يعقِّد مهمة اندماجهم في المجتمع، إن لم يجعلها مستحيلة، ويجعلهم يعيشون في عزلة دائمة، مما يصيبهم بالاكتئاب. وأعرف أن كثيرين قد لا يتفقون معي هنا، غير أنني على يقين تام أن هذا هو السبيل الوحيد، مع قناعتي أنه ليس سهلاً، لتعليم تلك الفئة من أبنائنا وبناتنا الذين يستحقون كل جهد من الجهات المعنية ومن المجتمع، مثلما لا يستغنون عن اهتمام الأسرة.
وعلى كل حال، ليس ثمّة شيء بمستحيل، خاصة أن دولتنا رعاها الله، توفر للتعليم، مثلما تهتم بكل مجالات التنمية، كل ما يحتاجه من موارد، لأنها تُعَوِّل عليه كثيراً في إحداث نقلة نوعية في التنمية التي تعظم مواردنا الاقتصادية، في ظل سعي الدولة الحثيث لتنويع مصادر الدخل، والتحلل من ربقة النفط الذي ظل مورداً أساسياً لاقتصادنا لعقود، حسبما جاء في رؤيتنا (2030) التي هندسها أخي رئيس مجلس الوزراء، ولي العهد القوي بالله الأمين.
أخيراً: كما أسلفت، الحديث في هذا الموضوع حقَّاً ذو شجون، ولهذا على المعنيين خاصة والمهتمين بمجال التعليم في بلادنا وكل من لديه فكر أو رؤية بمن فيهم أولياء الأمور، الإسهام في تطوير تعليم أبنائنا وبناتنا، والخروج به من منطقة الراحة لقاعات البحث العلمي والمعامل العلمية، إذ تُعَدُّ اللحظة الأولى في عملية التعليم، أهم مؤشرات النجاح في التعليم في المراحل التالية.
هذا في ما يتعلق بالجانب الأكاديمي في التعليم العام. أما في ما يتعلق بالتعليم الأهلي، فأرى ضرورة تدخل الوزارة لتحديد سقف معين للرسوم الدراسية في المدارس الأهلية والمعاهد والجامعات، ليتسنى لكل راغب الالتحاق بها، إضافة إلى ضرورة حث المعنيين بها لتطوير المناهج والارتقاء بالتعليم لتحقيق الغايات المنشودة، والحرص على تدريب المعلمين وتأهيلهم.
وقطعاً لا يفوتني هنا التأكيد على ما لمسته شخصياً لدى الإخوة المسؤولين في وزارة التعليم وعلى رأسهم معالى الوزير الأخ الأستاذ يوسف بن عبد الله البنيان مشكورين، من استعداد تام لانفتاحهم على الجميع وترحيبهم بكل من لديه اهتمام بتطوير التعليم في بلادنا. بقى علينا أن نشد الهمة ونأخذ الموضوع مأخذ الجد لنتعاون جميعاً في تحقيق تعليم يصنع الفارق، من خلال إيجاد حلول عملية فعالة للتحديات التي تواجه تحديد سياسة التعليم العام في بلادنا، كما هو الحال في كثير من دول العالم اليوم.