بقلم ريم بنت مطلق القرشي
ليست الأخوّة دائمًا رابطة دم فهناك أرواح يرسلها الله إلى حياتنا فتستقر في القلب حتى نظن أنها خُلقت معه. لا يجمعنا بها نسب، لكن سندًا للروح، وأمانًا لا يُشترى.
كنتِ بالنسبة لي أختًا كبيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. منذ أول لقاء شعرت أن الله ألّف بين قلوبنا، فلم أحتج يومًا إلى أن أشرح لكِ ما في داخلي، لأنكِ كنتِ تقرئينه قبل أن تنطق به الكلمات.
عشنا معًا مواقف كثيرة حلوها ومرها وكنتِ الحضن الذي يهدأ عنده قلقي. وحين حاول البعض أن يزرع بيننا الخلافات، ويصنع المسافات، بقيت مواقفكِ الصادقة أقوى من كل ما قيل، لأن الصدق لا تهزمه الأقاويل.
كنتِ تنصحينني بمحبة، وتعاتبينني بمحبة، وحتى في لحظات غضبك كنت أرى قلبًا يخاف عليّ أكثر مما يغضب مني، لذلك كنت أتقبل كل شيء منك، لأنني لم أركِ يومًا إلا أختًا كبيرة أكرمني الله بها.
ولا أنكر فضلكِ عليّ، فقد كنتِ حاضرة في المواقف التي لا تُنسى وسعيتِ من أجلي دون أن أطلب وكنتِ ترين فرحتي فرحتك وحزني حزنك. وهناك مواقف تبقى محفورة في الذاكرة، لأنها كُتبت بالمواقف لا بالكلمات.
كان لحضوركِ طمأنينة تشبه المطر حين ينزل على أرض عطشى، وحتى وقع خطواتكِ وصوت طرقكِ للباب كان يزرع في قلبي سكينة لا أشعر بها مع أحد. واليوم… ما زالت مكانتكِ كما هي بل ربما ازدادت لكن المكان بعد غيابكِ أصبح كحديقةٍ فقدت ربيعها، وكسماءٍ ينقصها قمرها.
قلبي حزين ليس لأن المحبة انتهت بل لأنها بقيت كما هي بينما تغيرت الأماكن . وما أصعب أن يحمل القلب أشخاصاً لا يستطيع أن يعيدهم إلى تفاصيله كما كانوا. بعض الغياب لا يترك فراغًا في المكان، بل يترك فراغًا في الروح.
ولعل أكثر ما يهوّن على القلب أن الحزن عند الفراق فطرةٌ جبل الله عليها عباده وليس ضعفاً ولا نقصاً في الإيمان. فقد بكى رسول الله ﷺ وقال: “إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن “. فإذا كان خير الخلق قد حزن لفراق من أحب، فلا عجب أن يحزن القلب لفراق من سكنت مودتهم الروح، مع الرضا بقضاء الله، والدعاء لهم في كل حين.
هذه هي الدنيا لقاء يعقبه فراق ولذلك كنت دائماً أخشى التعلق لأن الفراق يعلّم القلب من الألم ما لا تعلمه السنون.
أخوّة كانت من أجمل الأقدار التي ساقها الله إليّ.
وستبقين دائمًا في دعائي أسأل الله أن يفتح لكِ أبواب الخير ويبارك لكِ في خطواتك،ويكتب لكِ السعادة والتوفيق أينما كنتِ.
فما جمعنا لم يكن مصلحة ولا منفعة عابرة بل كانت أخوّة سكنت القلب وإذا سكن الإنسان القلب لم تُخرجه منه الأيام.