بقلم : منيرة بنت محمد الشمرآني
صباح الجمعة.لهُ نكهة لا تُشبِه سواها
يستيقظُ البيتُ على صوتِ همسِ أبي في المطبخ، يتمتم بذكر الله ، ويوقظ فينا الروحانية والذكريات.
يجلس أبي بهدوئه المهيب، نلتف حوله نتناول الافطار ويتركنا جلوساً نكمل شرب الحليب
ويبدا يتهيّأ للصلاة،
ثوبُه الأبيض يلمع كالنور.
أتابعه بعينٍ صغيرةٍ مُحبّة،
لا تفهمُ من القداسة إلا هيئته وهو يرش دهن العود على مسبحته ويُقبِلُها قبل الخروج.
ويوصينا لاتاخروا الصلاة.
كان خروجهُ للمسجدِ يحملُ في البيتِ سكينةً، وعودتُه تحملُ معها نسمةَ الروحانية التي التصقَت بثيابه،
فيمسح بيدهُ علينا فنشعرُ بالطمأنينةِ تسري فينا كما تسري الشمسُ في الغيم.
نتسابق لنحمل عنه زجاجات البارد الذي جلبة كطقوس معتاده في هذا اليوم نتناوله مع وجبة الغداء.
يأخذ قيلولة خفيفة ونحن ملتفين حولة كعقدٍ من الزهور كل واحدة منا لها عملها الخاص
هذه تلعب بشعره.وتلك تداعب أقدامه.وهذه تخفي أصابعها الصغيرة بلحيته.
وفي وقت لعصر، تمتدُّ الجلسةُ على سجّادةٍ تفوحُ منها رائحةُ الطيب، ليروي لنا قصصَ الأنبياءِ والرسل، كأنّ الزمنَ يعودُ بنا إلى صدر الإسلام.
نُصغي لأنفاسِه أكثر من كلماته، فكل حرفٍ منه كأنه حياة. نقرأُ سورةَ الكهفِ ونشعرُ أنّ الملائكةَ تُحيطُ بنا من كلِّ جانب.
ثم نغدو إلى الذكرِ والتسبيح، نختمها بالصلاة على النبي (ﷺ) فنستشعر فضل هذا اليوم العظيم.
يا الله..
كم أشتاق لتلك الايام التي كان فيها كل شيءٍ بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد.
لم يكن الجمالُ في المائدةِ ولا في الطعام
بل كان في تلك الأرواحِ التي اجتمعتْ على قلبٍ واحدٍ
وفي ذلك الأبِ الذي علّمنا أنّ الجمعةَ ليستْ يومَ راحةٍ فقط
بل هو يومُ قربٍ من الله، وامتنانٍ للحياة.
والآن..
مازلتُ أسمعُ صوتَ أبي وهو يقول:
“لاتاخروا الصلاة ، اقرؤوا الكهفَ ، وصلّوا على نبيّكم ،
“فالجمعة لا تطيب إلا بذكر الله.”
فأبتسمُ، وأغلقُ عينيَّ على ذاكرةٍ لا تشيخ.
ودفءٍ لا يبهتُ مهما طال الغياب.
هذا الشعور هو من يعينني كل جُمُعة على شحنِ طاقتي لأسبوعٍ قادمٍ مليئٍ بالأمل..
لِحيــــن اللــــقاء بــــه.
رحمك الله ياأبي..