بقلمي: لانا مراد
#الكتابة_الصغيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أما بعد،
صديقي العزيز،
كيف حالك حقًا؟
أعرف أنك ستجيبني كدأبك: الحمد لله، وسأبتسم مجيباً: دائمًا وأبدًا. ثم أتابع، كمن يبحث عن ما وراء الكلمات لفهم المعاني: وماذا بعد؟
أخبرني عنك، عن مشاريعك الصغيرة التي تكبر بصمت، عن أحلامك المؤجلة التي ما زالت تنتظرك بصبر، وعن ما خبأته لك الأيام من مفاجآت خفية.
حدّثني عن طموحاتك، عن آلامك، وما ألم بك، عمّا أثقل قلبك أو أنعشه… فقط، أخبرني ما بك؟
أما أنا، فدعني أبدأ الحكاية هذه المرة.
لقد خضت تجربة مختلفة — قررت أن أختلي بنفسي لأسبوعٍ كامل، بلا أحاديث كثيرة بلا هدف، بلا رسائل بلا معنى، وبأقل ما يمكن من ضوء الهاتف وضجيج العالم.
كانت تجربة الصمت تلك أعمق مما تصوّرت، كأنني أغوص في أعماقي لأرى ما تراكم فيها بصمتٍ طويل.
في تلك الأيام، وجدتني وحيدة في المنزل أيضاً.
كم من مرة تمنّيت لو أن أحدهم يسأل عني، أو لو أنني أملك الشجاعة الكافية لأكون المبادرة وأسأل أولاً، لو أن بابًا يُطرق صدفة، أو رسالة تصل ببساطة تقول: “كيفك؟”.
عاتبت الغائبين في داخلي بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد، ثم أدركت أخيرًا…
أن كل القلوب مثقلة بما يكفي، وأن كل إنسان يعيش معركته الخاصة، يصارع الحياة التي لا ترحم، ويحاول أن يبقى بخير بطريقته الخاصة.
أدركت أن الحياة صعبة، لكنها بين أيدينا — نحن من نختار أن نسهلها أو نصعّبها، نحن من نختار من يضيء عتمتنا، ومن يخبرنا أن في كل ما هو مؤلم وجهًا مضيئًا لا يُرى إلا بالصبر.
تعلّمت أن الإنسان يُقاس بما يقدّمه، لا بما يُقال عنه.
وأن السعادة قرار داخلي، تمامًا كما أن الحزن قرار أيضًا.
واكتشفت أن العائلة نعمة لا تُقدّر بثمن، وأن راحة البال وسلام النفس هما أغلى ما نملك.
تعلمت أن حماية حدودنا ليست قسوة، بل حبٌّ للنفس،
وأننا لا نستطيع أن نملأ كؤوس الآخرين ونحن عطشى.
ولو أردت أن أكتئب، لوجدت لذلك ألف سبب،
لكن يكفيني سبب واحد للرضا، ليجعلني أرى في كل شيء سببًا آخر للامتنان.
تأملت الماضي، تلك اللحظات التي أوجعتني يومًا، فإذا بها اليوم مجرد ذكرياتٍ خفيفة أبتسم عند تذكّرها.
وعرفت أن كل شيء يمضي، وأن ما نحياه اليوم سيغدو غدًا قصة نحكيها بخفةٍ ورضا.
وفي ختام التجربة، أدركت أن وسائل التواصل التي وُجدت لتقريب المسافات، صارت أحيانًا أبعد الطرق إلى القلوب.
فكل إنسان يقرأ الكلمات على هواه، وفق حالته النفسية، لا كما أُريدت. وهكذا… صرنا نكتب كثيرًا، ونتواصل قليلًا.
صديقي،
لربما احيانا لا أجيد التواصل الإلكتروني، ولربما بنظر أحبائي قد ابتعد بصمتٍ لم أبرّره،
لكن صدقًا… كنتم في بالي كل يوم.
مررتم بدعائي، ورافقتم ذكرياتي، وابتسمت لكم في لحظاتٍ كثيرة دون أن تعلموا.
حملتكم بقلبي ومضيت، أكمّل الطريق الذي جئت لأجله،
الطريق الذي غيّرني كثيراً،
لكنه علّمني كيف أكون أقرب إلى ربي ثم نفسي، وأكثر سلامًا مع الحياة.
فهو ما اخذني من من عمق المعنى إلى ظل الشعور . .
“أحيانًا، لا نحتاج إلى أحدٍ ليُنقذنا من وحدتنا، بل نحتاج أن نجلس معها قليلًا، حتى تخبرنا من نحن حقًا؟.”