بقلم عبدالعزيز السبيعي
مع إشراقة يوم الثالث والعشرين من سبتمبر، تعود للمملكة العربية السعودية ذكريات خالدة صنعت التاريخ، ورسخت الهوية، وأطلقت شرارة التقدم، اليوم الوطني السعودي الخامس والتسعون حكاية وطن متجذرة في الذاكرة الجماعية للسعوديين، وقصة قيادة وشعب، ارتسمت ملامحها منذ لحظة إعلان التوحيد في 1932م على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله.
اليوم الوطني صوت الأرض حين تتزين برايتها الخضراء، وصدى الفخر الذي يتردد في القلوب جيلًا بعد جيل، إنه مساحة للاحتفال، ولكنه أيضًا مساحة للتأمل: كيف كانت البداية؟
وإلى أين وصلنا؟
وإلى أي مدى يمكن أن يمتد طموحنا؟
شعار العام: عزّنا بطبعنا
في الذكرى الخامسة والتسعين، اختارت الهيئة العامة للترفيه شعارًا مختلفًا وملهمًا: «عزّنا بطبعنا».
ليس مجرد جملة إنشائية، بل انعكاس لجوهر الشخصية السعودية، فالمجتمع الذي وُصف بالكرم، والشجاعة، والتكاتف، والوفاء، يختصر هويته في هذا الشعار الذي يربط بين الأصالة والتجدد.
«عزّنا بطبعنا» يعني أن قوتنا ليست طارئة أو مكتسبة، بل متأصلة في قيمنا، في الفزعة التي تترجم في مواقف الحياة اليومية، في الكرم الذي يتجاوز حدود المائدة ليصبح أسلوب حياة، وفي الطموح الذي يوازي طموح الصحراء حين تمتد بلا نهاية، بهذا المعنى، يتحول الشعار من مجرد هوية بصرية إلى سردية وطنية تعكس روح المجتمع.
مظاهر الاحتفال: الوطن يتلون بالأخضر
-العروض الجوية التي تخترق السماء، وتحمل في خطوطها الخضراء رسائل الفخر والانتماء.
-الألعاب النارية التي تضيء ليل المدن السعودية وتحوّلها إلى فضاء من الألوان والدهشة.
-الحفلات الغنائية التي يشارك فيها كبار الفنانين، لترسم مزيجًا من الفرح والهوية الموسيقية المحلية والعربية.
-العروض الشعبية التي تستحضر رقصة العرضة السعودية، وتستعيد أصوات الطبول والقصائد القديمة التي كانت تلهب الحماسة في ساحات القتال.
هذه المظاهر لا تمثل مجرد احتفال جماهيري، بل هي منصة للتعبير عن الذاكرة المشتركة، وعن الروابط التي تجمع المواطن والمقيم، الصغير والكبير، في لحظة وطنية واحدة.
ما بين الماضي والمستقبل
حين نستعيد ذكرى التوحيد، نستحضر مسيرة كفاح امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا قادها الملك عبدالعزيز حتى أعلن المرسوم الملكي بتأسيس المملكة في 23 سبتمبر 1932م. كان التوحيد بداية لمرحلة جديدة، وضعت البلاد على خريطة العالم السياسي والاقتصادي، وأعادت صياغة ملامح الجزيرة العربية.
لكن اليوم الوطني لا ينحصر في الماضي، فهو أيضًا بوابة نحو المستقبل، تحت رؤية المملكة 2030، تتجلى روح التحول والتجديد في مختلف المجالات.
في الاقتصاد عبر تنويع مصادر الدخل والاستثمار في الطاقة المتجددة.
في الثقافة عبر دعم الفنون والموسيقى والتراث.
في الرياضة عبر استضافة بطولات عالمية تضع السعودية في قلب المشهد الدولي.
في السياحة عبر فتح أبواب البلاد للعالم وإبراز غنى الجغرافيا والتاريخ.
وبين الأمس واليوم، تظل القيم ثابتة، لتؤكد أن رحلة التحديث لا تعني التخلي عن الأصالة.
الفرح والرسالة
اليوم الوطني ليس مجرد مهرجان للفرح. هو أيضًا رسالة، رسالة ولاء ووفاء للقيادة، وتجديد للعهد على العمل والبذل، رسالة إلى العالم بأن المملكة قوة استقرار إقليمي ودولي، وأنها توازن بين الانتماء للتاريخ والقدرة على صناعة المستقبل.
كما أنه رسالة للأجيال الجديدة، أن الوطن ليس مجرد خارطة جغرافية أو حدود، بل هو هوية ومسؤولية، أن الانتماء ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تتجسد في العمل، في التعليم، في خدمة المجتمع، وفي احترام القيم التي قام عليها التوحيد.
خاتمة: وطن يتجدد
في عامه الخامس والتسعين، يظل اليوم الوطني السعودي مساحة لالتقاء الماضي بالحاضر، ونافذة نحو المستقبل. «عزّنا بطبعنا» ليس مجرد شعار احتفالي، بل هو تلخيص لمسيرة وطن.
إنه يوم نحتفل فيه بتاريخ من المجد، ونُجدّد فيه الأمل بمستقبل يليق بمملكة صنعت حضارة، ومن الطموح واقعًا، ومن الأصالة هوية.
كل عام والسعودية بخير كل عام ووطن العز يزداد عزًّا بطبعه.