بقلم: لانا مراد
#الكاتبة_الصغيرة
عِنْدَ نِهايَةِ المَطافِ، اِنْطَلَقْنا بِشَغَفٍ لا يُقاوَمُ نَحْوَ هَدَفِنا، نَعُدُّ الأَيّامَ وَالخُطُواتِ، نُسْرِعُ فِي خُطُواتِنا، نُخَطِّطُ وَنُجاهِدُ… وَلٰكِنَّنا أَغْفِلْنا عَنْ الاِسْتِمْتاعِ بِالرِحْلَةِ.
نَسِينا أَنْ نَلْتَقِطَ الفَرَحَ مِنْ تَفاصِيلِ الطَرِيقِ الصَغِيرَةِ: مِنْ فِنْجانِ قَهْوَةٍ فِي خِضَمِّ التَعَبِ، مِنْ ضُحْكَةٍ عابِرَةٍ، وَمِنْ لَحْظَةِ اِسْتِسْلامٍ لِسَماءٍ مَلِيئَةٍ بِالأَمَلِ. كُنّا نُؤَجِّلُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى نَصِلَ إِلَى هَدَفِنا، وَكَأَنَّ الحَياةَ تَبْدَأُ فَقَطْ هُناكَ.
لٰكِنْ عِنْدَما وَصَلْنا، صادَفْنا غَرابَةَ الإِنْجازِ، ذٰلِكَ الَّذِي أَشْعَرْنا بِأَنَّ إِنْجازَنا قَدْ يَبْدُوا فارِغٌ وَصامِتٌ وَالَّذِي يَهْمِسُ لَنا: لَقَدْ وَصَلْتُ، لٰكِنَّكَ لَمْ تَعِشْ. هَلْ الإِنْجازُ هُوَ السَعادَةُ؟ نَعَمْ، لٰكِنَّهُ يَحْتاجُ إِلَى أَنْ يُزَيِّنَ الطَرِيقَ بِلَحَظاتِ السَعادَةِ الَّتِي سُرِقَتْ مِنّا. ضَحِكاتٌ لَمْ تَلْتَقِطْ، نَظَراتٌ لَمْ تَعِشْ، لَحَظاتٍ تَلاشَتْ لِأَنَّنا كُنّا نَرْكُضُ.
أَيُّ الأَمْرَيْنِ كانَ يَسْتَحِقُّ الجُهْدَ؟ الهَدَفُ؟ أَمْ أَنْ نُقَدِّرَ الطَرِيقَ بِبُطْءٍ، وَوَعْيٍ، وَاِمْتِنانٍ؟
رُبَّما فِي المَرَّةِ القادِمَةِ، لَنْ أَرْكُضَ. سَأَمْشِي بِخِفَّةٍ، أَتَعَمَّدُ النَظَرَ إِلَى وُجُوهِ المارَّةِ، وَاِبْتَسِمْ إِلَى غَيْمَةٍ، وَأُدَوِّنُ اللَحْظَةَ بَدَلاً مِنْ تَأْجِيلِها. لِأَنَّ الطَرِيقَ لا يَقِلُّ قُدْسِيَّةً عَنْ الوُصُولِ، وَلِأَنَّ الحَياةَ لا تَنْتَظِرُنا عِنْدَ النِهايَةِ، بَلْ تَهْمِسُ لَنا طَوالَ المَسِيرِ: أَنا هُنا… الآنَ.
أَدْرَكْتُ مُؤَخَّراً أَنَّنا أَحْياناً نَعِيشُ كَمَنْ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ، وَيُعَدُّ حَتَّى العَشَرَةِ، آمِلاً أَنْ تَتَغَيَّرَ الحَياةُ عِنْدَما يَفْتَحُها. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ السَعادَةَ حَدَثٌ عَظِيمٌ، يُعْلِنُ عَنْ وُجُودِهِ كَخَبَرٍ عاجِلٍ، وَلٰكِنَّ الحَقِيقَةَ كانَتْ تَخْتَبِئُ فِي تَفاصِيلَ كُنْتُ أُعَبِّرُ بِجانِبِها، دُونَ أَنْ أَراها.
وَفِي النِهايَةِ اِكْتَشَفْتُ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَسْعَى لِلوُصُولِ بِسُرْعَةٍ، بَلْ أَرْغَبُ فِي أَنْ أَصِلَ وَأَنا عَلَى طَبِيعَتِي، أَنْ أَجِدَ نَفْسِي فِي مُنْتَصَفِ الطَرِيقِ، لا فِي نِهايَتِهِ، أَنْ أُحِبَّ ما أَنا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ما يَتَوَقَّعُ مِنِّي أَنْ أَكُونَ. ماذا لَوْ اِحْتَفَلْنا بِلَحْظَةٍ صَغِيرَةٍ، دُونَ حاجَةٍ إِلَى مُناسَبَةٍ مُحَدَّدَةٍ؟
رُبَّما أَكْتُبُ كُلَّ هٰذا لِتَذْكِيرِ نَفْسِي: أَنَّهُ لا أَحَدَ سَيَمْنَحُكَ المَعْنَى إِنْ لَمْ تَخْلُقْهُ لِنَفْسِكَ. وَأَنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ سِباقاً، بَلْ هِيَ رَقْصَةٌ، وَأَنَّكَ لَسْتَ مُطالِباً بِالوُصُولِ، بَلْ بِالحُضُورِ.
فَكَيْفَ تُرِيدِينَ لِحَياتِكَ أَنْ تَكْتَمِلَ؟ اُتْرُكْ الحَرْبَ جانِباً وَاِسْتَمْتِعْ، فَالحَياةُ رِحْلَةٌ وَالوَقْتُ لَنْ يَعُودَ.