عين الوطن _مها بنت عيفان العتيبي
لم تكن تعرف فصائل الدم ولا تحمل في ذاكرتها أسماءها الطبية لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا لا يحتاج إلى علم أو تفسير… أن الدم الذي يجري في عروقها سعودي.
في لحظة كانت تتابع فيها الأحداث وتسمع عن حاجة الوطن إلى المتبرعين بالدم نهضت امرأة سعودية مسنّة، وأسرعت إلى غرفة ابنها وطرقت الباب بحماس:
– قوم يا ولدي قوم!
فتح عينيه متعجبًا:
– وين يا يمّه؟
قالت بعجلة:
– قوم الشعب كله يتبرع بالدم وحنا لازم نتبرع معهم!
ابتسم ابنها وسألها:
– طيب يا يمّه إنتِ وش تعرفين عن التبرع بالدم؟
أجابته ببساطة:
– ياخذون من دمنا للي يحتاجه.
قال لها:
– طيب وش دمك إنتِ؟
رفعت رأسها بكل اعتزاز وقالت:
– دمي سعودي!
ضحك ابنها وقال:
– لا يا يمّه أقصد وش فصيلة دمك؟
فأجابته بإصرار:
– يا ولدي أنت بس قوم… ما عندي إلا دم سعودي!
هنا انتهى الحوار وبدأ المعنى الأكبر.
لم تكن تلك الأم تجهل قيمة السؤال، لكنها كانت تجيب من مكان أعمق من المعرفة من قلب امرأة عاشت عمرها وهي ترى الوطن جزءًا من روحها.
لم تسأل عمّن يحتاج الدم ولا من أي منطقة هو ولا عن اسمه أو أصله. كان يكفيها أن هناك إنسانًا يحتاج وأنها تستطيع أن تمد له يد العون.
هكذا يكون الانتماء حين يصبح فطرة لا شعارًا.
فالوطن ليس انتماءً نردده في المناسبات بل إحساس يسكننا منذ الصغر ويكبر معنا حتى تشيب رؤوسنا دون أن يشيخ في قلوبنا.
وقد تختلف فصائل دمائنا وأعمارنا وحكاياتنا لكن يجمعنا وطن واحد ومسؤولية واحدة تجاه بعضنا.
تلك الأم لم تقدم درسًا في الطب بل قدمت درسًا في المواطنة.
فالدم له فصيلة يعرفها الطب وله انتماء عبّرت عنه تلك الأم بكل عفوية: «ما عندي إلا دم سعودي».
ومن طفولتنا إلى شيخوختنا يبقى الوطن حاضرًا في وجداننا… لا نحيد عن محبته، ولا نتأخر عن خدمته.
فبعض الحكايات لا تحتاج إلى خطبة طويلة؛ تكفيها كلمة أم سعودية.