بقلم / منيرة بنت محمد الشمرآني
فيه أشياء صغيرة كانت تشاركنا طفولتنا
ومن أجمل هذي الأشياء أناشيد حفظناها
ورددناها في المدرسة والبيت والمناسبات
بدون مانعرف وقتها ان هذي الكلمات كانت تزرع فينا شيئ راح يبقى معانا إلى آخر العمر.
كانت الأناشيد بسيطة في كلماتها لكنها عميقة في معانيها قريبة من عالم الطفل وعشان كذا دخلت القلب قبل ما تدخل الذاكرة.
ومن الأناشيد التي ما زالت عالقة في الوجدان:
أنا سعيدة يا بنات
منظمة كل الأوقات
أحافظ عَ الخمس الصلوات
وربي سامع لي الدعوات
ممكن اللي يسمعها اليوم يقول انها كلمات طفولية بسيطة
لكنها في الواقع كانت تحمل منهجً تربويًا كاملًا فهي تعلم الطفل الفرح، والنظام، والمحافظة على الصلاة وحسن الصلة بالله والدعاء.
كنا نرددها واحنا نلعب ونحفظها من اوا مانسمعها
وكانا نتعلم منها بدون مانشعر اشياء كثير اهمها
أن العبادة جزء من حياته اليومية، وأن تنظيم الوقت قيمة جميلة، وأن الدعاء باب مفتوح بيننا وبين الله
ثم يأتي معنى الأسرة والمحبة في نشيد آخر:
أختي كبيرة أحبها
لما تغيب أشتاق لها
حب وحنان بقربها
زي ماما بعطفها
لم تكن هذه الكلمات تعلم الطفل مجرد محبة أخته الكبرى،
بل كانت تعرّفه على معنى الرحمة داخل الأسرة، وعلى مكانة الأخت الكبيرة، وعلى أن البيت ليس جدران وأثاث ، وإنما أشخاص نحبهم ونشتاق لهم ونلاقي عندهم الأمان.
ولمن نصل إلى الأب، تأتي الكلمات أكثر دفئًا:
يا بابا يا غالي
ما غبت عن بالي
ولا عيش يهنالي
يارب تبقى لي
كم من طفل رددها وكم من أبٍ سمعها وفرح بها، وكم من جيل كبر وما باقي يحمل في داخله ذاك الشعور تجاه والده
هذه الكلمات كانت تعلم الطفل الامتنان والوفاء والتعلق بالأسرة، وتجعله يعبر عن مشاعره بطريقة بريئة وواضحة.
السؤال
لماذا بقيت هذه الأناشيد في الذاكرة؟
بقيت
لأنها لم تكن أناشيد تُحفظ فقط… بل كانت أناشيد عشناها وطبقناها في حياتنا
فجيلنا عاش زمنًا كانت فيه التربية أقرب إلى البساطة، وكانت المدرسة والبيت والمسجد والمجتمع حتى الجيران يشتركون – كلٌ بطريقته – في غرس القيم-
واليوم عندما نسمع لحنًا قديمًا أو نتذكر بيتًا من نشيد الطفولة، لا نعود بالذاكرة إلى الكلمات وحدها، وإنما نعود إلى المكان والوجوه والأصوات ورائحة المدرسة وأيام الطفولة
والأجمل في هذه الأناشيد أن أثرها لم ينتهِ بانتهاء الطفولة.
فالطفل الذي كان يردد:
(أحافظ عَ الخمس الصلوات)
كان يسمع قيمة الصلاة بشكل محبب ومتكرر
والطفل الذي يقول:
(أختي كبيرة أحبها)
كان يتعلم أن للأخوة مكانة، وأن المحبة تُقال وتُعبّر عنها.
والطفل الذي ينشد:
(يا بابا يا غالي)
كان يتربى على البر والوفاء والتعبير عن الامتنان.
وربما لهذا نحن نشتاق إليها اليوم
فنحن لا نشتاق إلى الأناشيد وحدها
بل نشتاق إلى زمن كانت فيه الأشياء أبسط
وكانت الكلمة تحمل معنى
وكان الطفل يتعلم القيم وهو يرددها مع زملائه
نشتاق إلى طفولة لم تكن تعرف كثرة الشاشات ولا وفرة المحتوى
لكنها كانت تحفظ كلمات قليلة
وتعيش معانيها طويلًا
وفي الختام
ربما كبرنا
وتغيرت الأيام
وتبدلت طرق التربية
لكن بعض الكلمات رفضت أن تكبر معنا
فبقيت طفولية في صوتها
كبيرة في أثرها
وكلما رددناها اليوم، اكتشفنا أننا لم نكن نحفظ أناشيد فقط؛
كنا نحفظ قيمًا.
وهذا هو الأثر الحقيقي للكلمة الجميلة
قد تنتهي من ترديدها وأنت طفل لكنها لا تنتهي منك أبدًا