بقلم الدكتور: حارث بن علي العسيري
ليست كل الصراعات التي تنشأ داخل المنظمات وليدة اختلاف طبيعي في وجهات النظر، ولا نتيجة تنوع في الخبرات أو تضارب في الاجتهادات الإدارية، بل إن بعض الصراعات تُصنع صناعة، وتُدار بهدوء، وتُغذّى بعناية، حتى تتحول المنظمة من بيئة عمل إلى ساحة استنزاف نفسي وإداري وفكري.
وفي كثير من الأحيان لا يبدأ الأمر بخلافٍ ظاهر، بل يبدأ بتغييب معلومة، أو تأخير قرار، أو نقل حديث مبتور، أو خلق دائرة ضيقة تحتكر الحقيقة، ثم يتدرج المشهد شيئًا فشيئًا حتى يصبح بعض العاملين داخل المنظمة لا يعرفون أين الحقيقة، ومن يملك القرار، ومن يقود فعليًا، ومن يصنع المشكلات ثم يظهر لاحقًا كمنقذ لها.
فصانع الصراع داخل المنظمة لا يظهر عادة بصورة الخصم المباشر، بل يظهر غالبًا بصورة “الحريص”، و”الخبير”، و”صاحب التجربة”، حتى إنه قد ينجح في إقناع الآخرين أن بقاء المنظمة مرتبط ببقائه.
ومن أخطر الأساليب المستخدمة في صناعة الصراعات داخل المنظمات:
– تغييب المعلومات عن بعض الأعضاء أو الموظفين.
– نقل الأحاديث بصورة مجتزأة لإثارة الشكوك.
– صناعة التكتلات الداخلية.
– إضعاف الكفاءات الحقيقية أو تشويهها.
– تعطيل المبادرات التي قد تُظهر نجاح الآخرين.
– تضخيم الأخطاء الصغيرة، وتجاهل الإنجازات الكبيرة.
– احتكار العلاقة مع أصحاب القرار.
ومع مرور الوقت تتحول المنظمة إلى بيئة مرهقة، يهرب منها المبدعون، ويتراجع فيها أصحاب الفكر الحقيقي، بينما يبقى أصحاب الصراعات أكثر ثباتًا؛ لأن البيئة المضطربة أصلًا صُنعت لتناسبهم.
ولهذا فإن أعظم حماية للمنظمات ليست في كثرة اللوائح فقط، بل في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية، ووضوح الصلاحيات، وتوثيق القرارات، والعدالة في التقييم، وحماية الكفاءات.
وفي النهاية…
ليست المشكلة الكبرى في وجود الخلاف داخل المنظمات، فالاختلاف أمر طبيعي وصحي أحيانًا، لكن الكارثة حين يتحول الخلاف إلى أداة نفوذ، وتتحول الشائعات إلى وسيلة إدارة، ويصبح تغييب الحقيقة أسلوبًا للبقاء والسيطرة.
اللهم أصلح نيات العاملين، وأبعد عن مؤسساتنا الفتن الخفية، وارزقها القيادات الصادقة العادلة التي تبني ولا تهدم