عبدالعزيز السبيعي – عين الوطن
يُنظر إلى الإعلام، في كثير من الأحيان، بوصفه ابن اللحظة يعيش على إيقاع الحدث، ويقاس نجاحه بقدرته على مواكبة ما يحدث “الآن”.
غير أن هذا التصور، على وجاهته، يغفل عن بُعد أكثر عمقًا.
هل الإعلام مجرد ناقل للحاضر، أم أنه في جوهره صانع لذاكرة ستستعاد في المستقبل؟
كل خبر يُنشر، وكل تقرير يُبث، لا يختفي بانتهاء يومه، بل يتحول بشكل أو بآخر إلى جزء من أرشيف يُعاد الرجوع إليه لاحقًا.
هذا الأرشيف لا يوثق الأحداث فحسب، بل يوثق الطريقة التي فهمت بها تلك الأحداث في زمنها، وهنا تتجاوز وظيفة الإعلام حدود اللحظة، لتدخل في نطاق “تشكيل الذاكرة”.
الذاكرة الجماعية لأي مجتمع لا تتكون من الوقائع المجردة، بل من السرديات التي رافقت هذه الوقائع، والإعلام هو أحد أبرز صانعي هذه السرديات، فهو الذي يختار ما يسلط عليه الضوء، وما يترك في الظل، وهو الذي يمنح بعض الأحداث حضورًا دائمًا، بينما تتلاشى أحداث أخرى، رغم أهميتها.
في هذا السياق، لا يصبح السؤال “ماذا حدث؟” فقط
بل “كيف سيتذكر الناس ما حدث بعد سنوات؟”
والإجابة عن هذا السؤال لا تُحدد في المستقبل، بل تُصاغ في الحاضر، من خلال ما يكتب ويقال ويوثق.
غير أن الإشكالية تكمن في طبيعة العمل الإعلامي ذاته، القائم على السرعة والتجدد، فالسعي الدائم لمواكبة اللحظة قد يدفع إلى إهمال البعد التوثيقي، أو التعامل معه بوصفه أمرًا ثانويًا.
ومع تراكم هذا الإهمال، تتشكل ذاكرة ناقصة، أو مشوهة، لا تعكس تعقيد الواقع كما كان.
كما أن الانتقائية سواء كانت واعية أو غير واعية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل هذه الذاكرة، فالأحداث التي تحظى بتغطية واسعة ترسخ في الوعي الجمعي، بينما تُنسى أحداث أخرى، لا لقلة أهميتها، بل لغيابها عن السرد الإعلامي.
وبمرور الوقت، تتحول هذه الانتقائية إلى “تاريخ غير مكتوب” ينعكس في تصورات الأجيال اللاحقة.
في العصر الرقمي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
فالمحتوى لم يعد محدودًا بوسائل تقليدية، بل أصبح متاحًا عبر منصات متعددة، تنتج وتعيد إنتاج السرديات بشكل مستمر، هذا التعدد يمنح فرصة لثراء الذاكرة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديًا كيف نميز بين ما هو توثيق موثوق، وما هو مجرد سرد عابر؟
هنا، تبرز مسؤولية الإعلامي بوصفه شاهدًا على عصره، لا مجرد ناقل لأخباره، فالكلمة التي تكتب اليوم، قد تقرأ بعد سنوات بوصفها “حقيقة تاريخية”، حتى وإن كانت في أصلها اجتهادًا لحظيًا، ومن ثم، فإن الدقة لا تعد مطلبًا مهنيًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية تمتد آثارها إلى المستقبل.
كما أن على المؤسسات الإعلامية أن تعي أن أرشيفها ليس مجرد سجل للأحداث، بل مرجع يُسهم في تشكيل فهم المجتمع لتاريخه، وهذا يقتضي عناية أكبر بالتوثيق، وتوازنًا أدق في التغطية، ووعيًا بأن ما يُهمل اليوم قد يُفقد غدًا جزءًا من الصورة الكاملة.
في النهاية، لا يمكن حصر الإعلام في كونه ابن الحاضر فقط، ولا في كونه ذاكرة للمستقبل فحسب، إنه يجمع بين الاثنين يعيش اللحظة، ويصوغ ما سيبقى منها.
الإعلام لا يكتفي برواية ما يحدث
بل يكتب بشكل غير مباشر “كيف سيتذكرون الناس ماحدث ؟.