عبدالعزيز السبيعي – عين الوطن
في كل مرة نتابع فيها خبرًا، نميل تلقائيًا إلى الاعتقاد بأننا نقترب خطوة من الحقيقة. فالإعلام، في صورته التقليدية، يُفترض أن يكون وسيلة لنقل الواقع كما هو، دون زيادة أو نقصان.
لكن هذا التصوّر، على بساطته، يخفي سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل ما نراه هو الحقيقة فعلًا، أم نسخة مُعاد تشكيلها؟
الإعلام لا يعمل في فراغ، بل هو منظومة تبدأ من اختيار الحدث، وتمر بطريقة معالجته، وتنتهي بكيفية تقديمه للجمهور. وفي كل مرحلة، تتدخل عوامل بشرية ومهنية وثقافية تُسهم، بدرجات متفاوتة، في إعادة صياغة الواقع.
فاختيار عنوان معين، أو إبراز تصريح دون آخر، أو حتى ترتيب الفقرات داخل الخبر، كلها تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تُحدث أثرًا عميقًا في تشكيل فهم المتلقي.
ولا يعني ذلك أن الإعلام يختلق الحقيقة من العدم، لكنه أيضًا لا يكتفي بعكسها كما هي. فالحقيقة غالبًا متعددة الأوجه، وما يفعله الإعلام هو اختيار زاوية محددة لعرضها.
وقد تنبع هذه الزاوية من اعتبارات تحريرية، أو توجهات مؤسسية، أو حتى من تقدير مهني لما يُعتقد أنه الأهم للجمهور.
ولعل أخطر ما في هذا الدور أنه يُمارس غالبًا دون وعي كافٍ من المتلقي؛ إذ يتلقى الجمهور الرسالة بوصفها نقلًا مباشرًا للواقع، بينما هي في حقيقتها تمثيلٌ لجزء منه.
ومع تكرار هذا النمط، تتشكل لدى الأفراد تصورات راسخة عن العالم، لا تعكس الواقع بالكامل، بل تعكس الطريقة التي قُدِّم بها.
في العصر الرقمي، ازدادت هذه الإشكالية تعقيدًا. فمع تسارع تدفق المعلومات، لم يعد لدى المتلقي الوقت الكافي للتأمل أو التحقق، بل أصبح يعتمد على ما يُقدَّم له بشكل سريع ومكثف.
وهنا تتقدم “الصياغة” على “المضمون”، ويتحوّل السرد الإعلامي من مجرد نقلٍ للخبر إلى أداة تُسهم في تشكيل الإدراك.
كما أن تعدد المنصات لم يُنهِ هذه الإشكالية، بل أعاد توزيعها. فبدلًا من مصدر واحد يعيد تشكيل الواقع، أصبح لدينا عشرات المصادر، لكلٍ منها زاويته وسرده الخاص.
وفي ظل هذا التعدد، قد يبدو أن الحقيقة أصبحت أوضح، بينما يشير الواقع إلى العكس؛ إذ ازدادت النسخ، وتعددت الروايات، وأصبح التمييز بينها أكثر صعوبة.
هنا يبرز دور الإعلامي بوصفه عنصرًا حاسمًا، فهو لا يختار فقط ما ينقله، بل كيف ينقله. وهذا الاختيار لا يكون حياديًا بالكامل، حتى مع السعي إلى ذلك.
فالكلمات تحمل دلالات، والترتيب يعكس أولويات، وحتى الصمت قد يحمل معنى لا يقل أهمية عما يُقال.
ومن هذا المنطلق، لا يعود السؤال: “هل الإعلام صادق أم لا؟” بل: “إلى أي مدى يُدرك الإعلام أثر اختياراته في تشكيل صورة الواقع؟”
فالإعلام المسؤول هو الذي يعي أنه لا ينقل الواقع فحسب، بل يُسهم في رسم ملامحه في وعي الجمهور، ويتعامل مع هذه المسؤولية بقدر عالٍ من الدقة والوعي.
وفي المقابل، على المتلقي أن يتحرر من وهم “الحقيقة الجاهزة”، وأن يتبنى قراءة متعددة الزوايا، تقوم على المقارنة والتحليل.
في نهاية المطاف، لا يمكن القول إن الإعلام ينقل الحقيقة فقط، ولا أنه يصنعها بالكامل؛ بل تقع الحقيقة في منطقة وسطى، بين الواقع كما هو، والواقع كما يُروى.
الحقيقة لا تُخفى، لكنها كثيرًا ما تصلنا بصيغةٍ اختارها غيرنا.
شارك هذا الموضوع:
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة