بقلم د. حارث بن علي العسيري
بين نبوءات الفتن ونظريات المؤامرة… كيف نفهم ما يجري في عالمٍ مضطرب؟
في أوقات الاضطراب الكبرى، حين تتسارع الأحداث وتكثر الأخبار المقلقة، يظهر في المجتمع نوعان من الخطاب؛ خطاب يفسّر كل ما يحدث على أنه صدفة عشوائية لا معنى لها، وخطاب آخر يذهب إلى الطرف المقابل تمامًا فيرى أن كل تفصيل صغير في العالم جزء من مؤامرة كبرى محكمة التخطيط. وبين هذين الطرفين تضيع أحيانًا الرؤية المتوازنة التي تساعد الناس على فهم الواقع بوعي وهدوء.
خلال السنوات الأخيرة، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل أن يظهر من يتنبأ بالأحداث العالمية بدقة مدهشة في الظاهر؛ فيحدد موعد اندلاع الحروب، ويذكر أسماء الدول المشاركة، بل ويذهب بعضهم إلى تحديد عدد القتلى ومن سيقود العالم بعد انتهاء تلك الحروب. هذه الخطابات تنتشر بسرعة لأنها تخاطب خوف الإنسان من المستقبل، لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل قارئ واعٍ هو: هل هذه التنبؤات علم حقيقي أم مجرد تخمينات مبنية على الإثارة؟
من الناحية الدينية، يؤكد الإسلام حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله. قال تعالى:
﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ولهذا فإن تحديد أحداث المستقبل بتفاصيل دقيقة – كموعد حرب أو عدد ضحاياها – يدخل في دائرة الادعاء الذي لا يملكه البشر.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار أن النصوص النبوية تحدثت عن زمن تكثر فيه الفتن والاقتتال قبل قيام الساعة. فقد قال النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج». ولما سئل عن الهرج قال: «القتل، القتل». وهذه النصوص لا تهدف إلى إثارة الخوف بقدر ما تهدف إلى تنبيه الإنسان إلى طبيعة الحياة في أواخر العصور حين يضعف العدل وتكثر الصراعات.
غير أن المشكلة تبدأ حين يحاول البعض إسقاط كل حدث سياسي أو عسكري معاصر مباشرة على تلك النصوص، وكأن التاريخ توقف عند زماننا فقط. والحقيقة أن البشرية مرت خلال القرون الماضية بحروب هائلة، مثل الحربين العالميتين في القرن العشرين، وقد ظن كثير من الناس في تلك الفترات أن العالم يقترب من نهايته، ثم استمرت الحياة بعدها لعقود طويلة.
وفي المقابل، هناك سؤال مشروع يطرحه كثير من الناس: هل توجد بالفعل مخططات أو سياسات تستهدف العالم العربي والإسلامي وثرواته؟
التاريخ السياسي للمنطقة يوضح أن الشرق الأوسط كان دائمًا محور صراع دولي بسبب موقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية. وقد شهد القرن العشرون أحداثًا مفصلية أعادت تشكيل المنطقة، من أبرزها اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت حدودًا سياسية جديدة بعد سقوط الدولة العثمانية، ثم قيام دولة إسرائيل وما تبع ذلك من صراعات إقليمية طويلة. هذه الوقائع التاريخية تدل بوضوح على أن القوى الكبرى سعت – ولا تزال – إلى توسيع نفوذها في المنطقة.
لكن من المهم في الوقت نفسه أن ندرك أن التاريخ لا تصنعه المؤامرات الخارجية وحدها. فالكثير من الأزمات التي شهدتها دول المنطقة ارتبطت أيضًا بعوامل داخلية مثل ضعف المؤسسات السياسية، والانقسامات الاجتماعية، وسوء الإدارة الاقتصادية. وغالبًا ما تستفيد القوى الخارجية من هذه الثغرات لتوسيع نفوذها. بمعنى آخر، فإن التدخل الخارجي يصبح أكثر تأثيرًا حين يكون الداخل ضعيفًا أو منقسمًا.
وهنا تظهر الرؤية المتوازنة لفهم ما يجري في العالم. فالعلاقات الدولية ليست مؤامرة شاملة تديرها جهة واحدة تتحكم في مصير البشرية، لكنها في الوقت نفسه ليست عالمًا بريئًا تحكمه المصادفات وحدها. إنما هي شبكة معقدة من المصالح والتحالفات والصراعات، تتداخل فيها حسابات السياسة والاقتصاد والأمن.
ولذلك فإن الوعي الحقيقي لا يقوم على الخوف من المستقبل ولا على تجاهل المخاطر، بل على فهم الواقع كما هو. فالمجتمعات التي تبني قوتها العلمية والاقتصادية وتحصّن وحدتها الداخلية تكون أقل عرضة للاستغلال الخارجي، بينما المجتمعات التي تنشغل بالصراعات الداخلية تفتح الباب أمام الآخرين للتأثير في مسارها.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تنهار فجأة بسبب قوة أعدائها فقط، بل بسبب ضعفها الداخلي أولًا. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام أي مجتمع ليس في معرفة موعد الحرب القادمة، بل في بناء القدرة التي تمنعه من أن يكون ضحية لأي صراع.
وفي زمن تتكاثر فيه الشائعات والتوقعات المثيرة، يبقى الوعي والهدوء الفكري من أهم أدوات حماية المجتمع. فليس كل ما يُقال على المنصات الرقمية حقيقة، وليس كل تحليل سياسي نبوءة مؤكدة. إن العقل الواعي يقرأ الأحداث بعين ناقدة، ويبحث عن المعرفة الموثوقة بدل الانجرار وراء الخطابات التي تبني نفوذها على الخوف.
إن العالم اليوم يعيش مرحلة تحولات كبرى بلا شك، لكن التاريخ يعلمنا أن الحضارات التي تمتلك العلم والوعي والقدرة على إدارة اختلافاتها هي التي تستطيع عبور الفترات المضطربة بأقل الخسائر. أما الانشغال المستمر بالخوف من المؤامرات أو انتظار نهاية العالم فلن يغيّر من الواقع شيئًا.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مجتمع: كيف نبني القوة التي تجعلنا فاعلين في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرجين عليه؟