ذكرى غزوة: حين انتصر اليقين
بقلم، د.ناصر سليم الحميدي
كانت غزوة بدر فجرًا مضيئًا في تاريخ الإسلام، تجلّت فيه سنّة الله في نصر الحق حين يصدُق أهله ويثبتون. خرج فيها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في العام الثاني للهجرة، ومعه ثلاثمئةٍ وبضعةَ عشر من أصحابه، قلوبهم عامرة بالإيمان، وعدّتهم قليلة، غير أن يقينهم كان أعظم من كل سلاح.
لم يكن خروجهم طلبًا لمعركة، ولكن المقادير ساقتهم إلى سهل بدر، حيث وقفت قريش في كثرتها وعدّتها، تظن أن الغلبة تُصنع بالعدد. وهناك برزت حكمة النبي القائد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فاستشار أصحابه رضي الله عنهم فثبتوا على النصرة، ثم أحسن اختيار الموقع بعد مشورة الصحابي الحباب بن المنذر رضي الله عنه، فنزل عليه السلام عند الماء ليكون للمسلمين مورد القوة. وهكذا جمع بين الشورى وحسن التدبير.
وفي تلك اللحظات الفاصلة، رفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه إلى السماء مستغيثًا بربه، واليقين يملأ قلبه، فنزل الوعد الإلهي مؤازرًا:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال: 9).
وكان القرآن قد سجّل هذه اللحظة الخالدة بقوله:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123).
ثم وقف النبي عليه السلام بين أصحابه يثبت القلوب ويشحذ العزائم، يذكّرهم بوعد الله، ويبعث فيهم روح الإقدام، حتى اندفعوا إلى القتال بقلوبٍ واثقة. ولم يكن عليه السلام بعيدًا عن الميدان، بل شارك في لحظته الحاسمة، وألقى عليه السلام قبضةً من الحصى نحو العدو، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: 17).
وبفضل الله انتهى يوم بدر وقد تبدّل ميزان القوة، وارتفع لواء الحق. لم يكن النصر يومئذٍ بكثرة العدد ولا بوفرة العُدّة، بل بعناية الله وثبات القلوب، كما يقرّر القرآن:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 10).
فبقيت غزوة بدر شاهدًا خالدًا على أن القيادة الحكيمة حين تقترن بالإيمان الصادق تصنع من القلة قوة، ومن اللحظة العابرة تاريخًا لا يزول…
والحمد لله رب العالمين