بقلم د. حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الخامسة عشر – رمضان ١٤٤٧هـ
بدر… حين صارت الأرض قرارًا
انتهت كلمات سعد بن معاذ رضي الله عنه… وسكن في القلوب يقينٌ لم يكن قبل لحظات.
تحرك الجيش الصغير نحو بدر. بدر ليست مجرد اسم، بل موضع آبارٍ بين مكة والمدينة، أرضٌ منخفضة تتحكم المياه فيها بمصير الواقفين عليها.
نزل رسول الله ﷺ في أدنى ماءٍ من بدر.
وهنا قام الحباب بن المنذر رضي الله عنه فقال بأدبٍ جمّ:
يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال ﷺ: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. انهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغوّر ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، فنقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال ﷺ: لقد أشرتَ بالرأي.
فتحرك الجيش فورًا، وسيطروا على آبار بدر، وردموا ما سواها، وبُنِي العريش لرسول الله ﷺ في موضعٍ مرتفع يشرف على ساحة القتال.
في بدر لم يكن الإيمان بديلاً عن التخطيط، ولم يكن التخطيط بديلاً عن التوكل. كان الجمع بينهما هو سر القوة.
عددٌ قليل، وسلاحٌ محدود، لكن القلوب ممتلئة يقينًا، والصفوف متراصة، والقرار واضح.
وهكذا أصبحت بدر ساحةً مهيأة، بعقلٍ منظم، وقلبٍ مؤمن، وثقةٍ بوعد الله.
وغدًا نقف عند ليلةٍ عظيمة، ليلة الدعاء والانكسار بين يدي الله، حين رفع النبي ﷺ يديه حتى سقط رداؤه، وسأل ربه النصر، فوعده الله وأجابه.
اللهم يا ناصر المستضعفين، ويا مؤيد عبادك المؤمنين، انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واكتب لنا في هذه الليالي إيمانًا صادقًا، ويقينًا ثابتًا، وثباتًا على الحق حتى نلقاك، واجعلنا من عبادك الذين ينصرون دينك بأقوالهم وأعمالهم ونياتهم.
اللهم اجعل كل ما أنشره في هذا الشهر صدقةً جاريةً عني وعن والدي وأزواجي وذريتي وإخواني وأصدقائي ومن شارك بالنشر من المسلمين.