بقلم د. حارث بن علي العسيري
في كل أمةٍ يومٌ يشبه الجذر في الشجرة؛ لا يُرى دائمًا، لكنه هو الذي يحمل الثمر ويثبت الغصون في وجه الرياح. ويوم التأسيس في المملكة العربية السعودية هو ذلك الجذر العميق؛ يومٌ يعود بنا إلى عام 1727م، حين وضع الإمام محمد بن سعود لبنة الدولة الأولى في الدرعية، فبدأ مسارٌ تاريخيٌّ لم يكن عابرًا، بل ممتدًا في الزمن، راسخًا في الهوية.
لم تكن البدايات آنذاك صاخبةً ولا مزيّنةً بالشعارات، بل كانت فعلًا سياسيًا واجتماعيًا واعيًا في بيئةٍ إقليمية مضطربة. كانت المنطقة تعيش حالة من التشرذم وعدم الاستقرار، وكانت الحاجة ملحّة إلى كيانٍ يجمع، وينظّم، ويحفظ الأمن، ويقيم العدل. ومن هنا جاءت قيمة التأسيس؛ ليس كحدثٍ عسكري فحسب، بل كفكرة دولة.
الدولة في معناها العميق ليست حدودًا مرسومة على الخريطة، بل عقدًا اجتماعيًا بين الحاكم والمحكوم، يقوم على الأمن، واستقرار المعاش، وصون الكرامة، وتوحيد الكلمة. وهذا ما مثّله التأسيس الأول؛ انتقال المجتمع من حالة التنازع إلى حالة النظام، ومن الاضطراب إلى الطمأنينة.
لقد كانت الدرعية أكثر من مدينة؛ كانت مشروعًا سياسيًا ناضجًا لزمنه. ومنها انطلقت مرحلة تأسيسية رسّخت مفاهيم الحكم الرشيد وفق سياقها التاريخي، وأسست لمرحلة امتدادٍ جغرافيٍّ وفكريٍّ واجتماعي. ومع تعاقب المراحل، بقيت الفكرة حاضرة: دولةٌ تستمد شرعيتها من قدرتها على جمع الناس تحت راية الأمن والاستقرار.
وعبر القرون الثلاثة، لم يكن المسار مستقيمًا بلا تحديات؛ فقد مرّت الدولة السعودية بمراحل قيامٍ وسقوطٍ وعودةٍ أقوى. لكن فكرة الدولة نفسها لم تمت، حتى جاء التوحيد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ليعلن في عام 1932م قيام المملكة العربية السعودية الحديثة، امتدادًا طبيعيًا لجذور التأسيس الأولى.
من هنا، فإن الاحتفاء بيوم التأسيس لا يعني استحضار الماضي بوصفه حنينًا، بل بوصفه وعيًا. إنه تذكير بأن الاستقرار الذي نعيشه اليوم لم يولد فجأة، وأن المؤسسات التي تعمل بكفاءة لم تُبنَ في ليلة، وأن الأمن الذي نعتبره بديهيًا هو ثمرة تضحياتٍ ممتدة.
يوم التأسيس يعيد تعريف العلاقة بين المواطن وتاريخه. فهو يرسّخ الشعور بالامتداد؛ أنك لست فردًا عابرًا في لحظةٍ زمنية، بل حلقة في سلسلةٍ تاريخية بدأت قبل ثلاثة قرون، وما زالت تتشكل. وهذا الامتداد يمنح الهوية عمقًا، ويمنح الحاضر ثقة، ويمنح المستقبل وضوحًا.
وفي سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة اليوم، يتجلّى هذا المعنى بوضوح. فالرؤية الوطنية المعاصرة ليست قطيعة مع التاريخ، بل امتدادٌ له بروحٍ جديدة. وكما كان التأسيس الأول مشروع بناء دولة في بيئة صعبة، فإن التحولات الراهنة هي مشروع تجديد دولة في عالمٍ شديد التنافس.
إن قراءة يوم التأسيس قراءةً واعية تضعنا أمام قيمٍ مركزية: الوحدة، والأمن، والاستمرارية. فالوحدة ضرورة وجود، والأمن قاعدة التنمية، والاستمرارية سرّ الدولة التي تعبر القرون بثبات.
ولعل من أهم ما ينبغي أن يترسّخ في وعي الأجيال الجديدة أن التاريخ ليس مادة دراسية جامدة، بل طاقة معنوية. حين يعرف الشاب أن دولته بدأت قبل ثلاثمائة عام، فإنه ينظر إلى مستقبله بثقة مختلفة؛ لأن جذوره ضاربة في الأرض، وأفقه مفتوح في السماء.
وفي الختام، يبقى الدعاء زادًا لا ينفصل عن المعنى: اللهم احفظ بلادنا كما حفظت جذورها عبر القرون، وأدم عليها نعمة الأمن والاستقرار، ووحّد صفها، وألهم قادتها الرشد والسداد، واجعل حاضرها خيرًا من ماضيها، ومستقبلها أزهر من حاضرها، واكتب لها دوام العز والتمكين.
هذا هو يوم التأسيس… حكاية وطنٍ بدأ من الدرعية، وما زال يمضي بثبات.