بقلم، د. ناصر سليم الحميدي
في الثاني والعشرين من فبراير، لا نستقبل ذكرى عابرة، ولا نردّد اسمًا من أسماء الأيام، بل نقف بإجلالٍ أمام ساعةٍ من ساعات القدر؛أعلن فيها الإمام الإمام محمد بن سعود في الدرعية قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م، فاستيقظ من صمت الرمال صوتُ التاريخ، ونهض من بين كثبانها كيانٌ يأبى الفناء.
كانت الجزيرة يومئذٍ أطرافًا مبعثرة، تتنازعها الفوضى كما تتنازع الرياحُ ذرات الغبار، لا يجمعها جامع، ولا يظلّها نظام. حتى إذا شاء الله لها أن تجتمع على كلمةٍ سواء، نهضت الدرعية لا كقريةٍ في وادٍ، بل كفكرةٍ في ضمير أمة؛ فكرةِ الدولة، التي تحمي، وتجمع، وتبني. هناك بدأ الإنسان يُصان قبل أن تُشاد الجدران، وتُحفظ الكرامة قبل أن تُرفع الرايات.
لم يكن الطريق ممهدًا سهلًا، بل كان محفوفًا بالشدائد، تتكسّر عليه الأحلام الضعيفة، وتثبت فيه العزائم الصادقة، حتى قيّض الله لهذه الأرض الملك عبد العزيز آل سعود، فجمع الشتات، ووحّد الأقاليم، وأرسى دعائم المملكة العربية السعودية، لتعود الفكرة الأولى أكثر رسوخًا، وأشدّ عزمًا، وأوسع أفقًا.
ويوم التأسيس، هو عهدٌ يتجدّد بين الماضي والحاضر، يهمس في آذان الأجيال أن البناء الحقّ يبدأ بالإيمان، وأن الدولة التي تعرف أصلها لا تضلّ طريقها.
وإن ما بدأ في الدرعية، كان عهدًا من عهود البقاء، تكون لهذه الأرض دولةٌ تحمي عقيدتها، وتصون كرامتها، وتفتح لأبنائها أبواب الأمل. عهد يمتدّ في كل مشروعٍ يعلو، وكل مدينةٍ تنبض، وكل رؤيةٍ تستشرف الغد بثقةٍ ووعي.