بقلم / المستشارة أسحار بنت يوسف
تمر بك هذه العبارة “يُعتبَرُ العرب جمعيون بطبيعتهم” في كتاب بنت طويق د. غادة طلال عنقاوي لتدرك عمق الكاتبة و عمق الكتاب ؛ عبارةٌ قدمت لمئات الصفحات . إذا تحدثنا عن التوجيه و التدريب في المملكة العربية السعودية و توجيه فرق العمل يكون اسمها حاضراً فارتأت أن تجعل حصاد هذه السنوات و عصارة هذه الخبرة في كتابها
( توجيه فرق العمل النيوكارزمية ) و الصادر باللغتين العربية و الانجليزية ، ليكون بمثابة المغناطيس لكل مهتمٍ في التدريب الجمعي للفرق و الأفراد و كلّ ساعٍ لتمكين فرق المؤسسات و المنشآت لتحقيق رؤيتها و رسالتها بهيكلية و آليةٍ صحيحة ؛ هذا الكتاب هو خلاصةُ سنواتٍ من الخبرة تضعها ( عرّابة توجيه الفرق في المملكة ) بين يديك لتغير أركان المعادلة في نجاح المُنشآت .
ما بين فقرات الكتاب نجد
د. غادة تحملُ هماً عجيباً لا يخفى ؛ أن تستفيد و تُفيد ؛ من العلم و المعرفة العالمية “مُحافظةً” و بحرصٍ شديد على قيم دينها الاسلام و تراث حضارتها العربية السعودية التي نشأت عليها قبل دخولها عالم التدريب و التوجيه . فيقلقها و بجلاء أن يُوَجّهَ الموجِّهُ العميلَ إلى أن يفعل ما يشاء و ما يراهُ مناسباً لهُ بشكل مسطّح فردانيٍ قصير النظر ، ضارباً بعُرض الحائط جذورهُ و ثقافته العربية و حضارتهُ دونَ أدنى مراعاةٍ لأهميةِ التكاتف المجتمعي في ثقافتنا العربية المسلمة ؛ سواء كان قرارُهُ هذا على صعيدِ العائلة أو المنشأة. تضرب لنا المثال بعد المثال كيف نصلُ لِنَجاحاتِنا كأفراد و كمؤسسات غير منصهرين في الثقافة الغربية الفردانية ، و غير متناسين كذلك حمايةَ طموحنا كأفراد !
تتحدث الكاتبة في جوهرتها الزمردة الحمراء ؛ و هذا ما أميل و يميل البعض لتسميته ، لغلافه الاحمر و محتواه الثمين الذي لا يخفى على من هم في مجال العمل المؤسسي و التوجيه التدريبي ؛ تتحدثُ عن قيمةٍ جوهريةٍ حقيقيةٍ تدور حول النفع الجمعي و وجود معادلةٍ ناجحةٍ حقيقية ممكنة جداً تجمع للافراد حريتهم و استقلاليتهم و للمؤسسات نجاحها ، و للفرق انجازهم بروح الفريق الواحد للوصول للأهداف المنشودة . و لا تؤمن بحدية الاختيار بين بينين ؛ بين تركيز بعض المجتمعات على العمل الجماعي فقط و حرص مجتمعاتٍ أخرى على تمكين المصلحةِ الفردية حصراً فهي ابنة ثقافةٍ عربية أصيلةٍ تؤمن أننا نُكملُ بعضنا بعضاً في بلدٍ عربي عريق لا زال حتى هذه الساعة يُوَجّهُ القبيلة و العائلة و الجموع لنفع الوطن و المواطن أينما كان .
الوطن …. هذا الفريق الأكبر على الاطلاق بمنظومةٍ مميزةٍ تجعل الفرد يخدم جماعته و قبيلته و مؤسسته و تجعل هذه الفرق مع اختلاف مسمياتها و حقولها تقف معه تساندهُ و (تفزعُ) معهُ و لأجله متى ما شاء ؛ و هذا تماماً المحور الأساسي ل رؤية المملكة ٢٠٣٠ م بين التوجيه المدروس لتحسين جودة الحياة و العمل المؤسسي و ما بين رفع الوعي للأفراد فرداً فرداً ؛ فتتأثر المجموعات في المحصلة و تتحقق الرؤية و تنجح المنظومة ؛ منظومة التكاملية و الشمولية لحياةٍ أفضلَ للجميع .
في طيّات الكتاب تستشعر ظلال حديث رسولنا الكريم ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضهُ بعضاً ) صدق رسول الله ﷺ .
نجدنا في صفحات الكتاب نسمع صوتاً بين السطور يُذكِّرُ أنَّ التوجيه و الارشاد يحرِصُ على تجنيبِ الفرد نشوء خلافاتٍ عائلية او صداماتٍ مؤسسية ؛ كي يفوز الجميع ؛ لأن التوجيه الحقيقي و التدريب التوعوي المؤسسي و الفردي يشابه و إلى حدٍ كبير شعار الفرسان الثلاثة في الثقافة الفرنسية كما درسناه في الأدب الفرنسي أنّ ( الجميع للفرد و الفرد للجميع ) و هو ما قام عليه ديننا الحنيف قبل أن يظهر هؤلاء الفرسان في فرنسا !!
بعد التمهيد الرشيق و الاقناع الانيق غير المباشر للقارئ ؛ بأهمية توجيه الفرق و تدريبها بالحفاظ على المصلحة الأفقية للمجموعة و مراعاة الطموح العمودي للأفراد ؛ تبدأ مرحلة الكراسة و القلم كما أحب أن أسميها في الكتب المعرفية التعليمية ؛ فعبر جداول متسلسلة و نماذج مرسومةٍ بعناية و رسومٍ توضيحية يمكِّنُكَ هذا الكتاب كمدير او تنفيذي او أبٍ أو أمٍ بالتطبيق العملي ؛ و ما أدراك ما التطبيق هو السر الخفي لكل الناجحين !
فتتمكن من خلال قراءتك إياه من اسقاط هذه الرسوم التوضيحية و النماذج على مؤسستك و منشأتك و عائلتك فتلفتُ انتباهكَ : هل فريقك مفكك ؟! هل هناك هدرٌ للطاقات ؟! و كيف تصيدُ باحترافيةٍ
هذا الهدر و تُغلقَ صنابيرَهُ !
هل أنت ذاتي القيادة ؟! أم تؤمن بفعالية القرار المشترك عبر المشورة و الديمقراطية ؛ حيثما يلزم و حسب و ليس بصورةٍ مطلقة ! و هذا ما لا يلتفتُ لهُ كثيرون من أصحاب المؤسسات ، فتأتي الكاتبة لتشير إلى أهمية روح الفريق الواحد و الاستماع للجميع و بذات الوقت ؛ الاستماع كيف ؟ و متى ؟
و لكلٍ في جزئية منطقته و اختصاصه .
ما بين الاسئلة الفعّالة في الكتاب و التي تكون بمثابة النور للقارئ ، فيتخذ قراراته بنفسه ، مرورا بفصلٍ أفردته الكاتبة بعنوان الترويج للرؤية المشتركة ؛ هنا تعرفُ أن ابنة طويق على نفس الايقاع مع رؤية وطنها ، حريصةً أن تكونَ جزءا حاضرا لتردَّ للوطنِ جزءا من جمائله بجميل اصدارها لهذا الكتاب . حين لا تفتأُ تركزُ على أهمية العصف الذهني لتكون رؤية أي فريق واضحةً للأفراد كما للمجموعة كاملةً فيكون الهمُّ مشتركاً و التحديات واضحة و قصةُ النجاح مشتركة فتكونُ الفرحةُ أكبرَ و أعظم .
في الوعي النفسي و الجودة المؤسسية ؛ كلما تقاسمتَ الرؤية و النجاح مع من حولك زاد مقدارها ، فالمشاركة أو التشاركية تضاعفُ ما تلمسه ، ألقٌ عجيب من نوعٍ خاص ، فاحذر أنك حين تشارك قيمةً ما ؛ فإنك بأتمتةٍ فورية تُضاعف القيمة التي شاركتها !