بقلم: فانتا عبدالقادر
هل للملل صوتٌ وأحاسيس؟ هل هو عدوٌّ للإنسان؟ يا للعجب! تحدثتُ مع نفسي كثيرًا، ولم أصل إلى نقطةٍ أخيرة من حديث النفس الذي انتابني ذات ليلة.
أتعلمون؟ لم يعد الملل في زمننا هذا مجرد لحظاتٍ عابرة نشعر بها حين لا نجد ما نفعله، بل أصبح وكأنه قرينٌ يلازمنا في كل وقت، يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، بالرغم من أننا نمارس حياتنا بهدوء؛ نخرج ونتسلى، نقابل الأحبة، ننهي أعمالنا، نتصفح هواتفنا، نضحك، نتحدث ونمضي أيامنا، ومع ذلك يبقى هذا الشعور الشنيع القاتل يحفر ويحفر ويحفر، للأسف الشديد.
نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى الأشياء صعبًا، بل بضغطة زر. وإن لم نصل، فنشاهد ونرى، وكأننا عشنا تلك اللحظات. نشتري، ونقرأ، ونتواصل، ونسافر افتراضيًا إلى أماكن بعيدة، ونلعب ونمرح. ورغم كل ذلك، لم تكن كثرة الخيارات ضرورةً في منحنا مزيدًا من المتعة، بل جعلتنا نعتاد على وجود كل شيء وبسرعة غريبة.
وللأسف، ففي عصر السرعة فقدنا قدرتنا على الاندهاش بالأشياء الجديدة؛ أعيننا وأذهاننا اعتادت على كل شيء، فلا شيء غريب، ولا شيء جديد، ولا شيء ممتع. مللٌ، مللٌ ينتابنا في كل وقت.
أتذكر عندما كنت صغيرة، لم نكن نعرف للملل عنوانًا إلا إذا أُصيب فردٌ من العائلة بوعكة صحية؛ هنا فقط نشعر بالملل والضجر. أما الآن، فالصغير والكبير يشعران بالملل.
أصبحنا ننتقل من شيء إلى آخر بحثًا عن شعور مختلف؛ من مقطع إلى آخر، ومن محادثة إلى أخرى، وكأننا نهرب من لحظة صمت قد تكشف لنا مقدار ما نشعر به من فراغ.
الغريب أن الملل لا يأتي دائمًا من قلة ما نملك، بل قد يأتي من كثرة ما نستهلك دون أن نشعر أننا نعيش حقًا. ربما نحن لا نحتاج إلى أشياء جديدة بقدر حاجتنا إلى الأشياء القديمة، ونراها بأعين جديدة؛ أن نخرج للمشي في الهواء الطلق، أن نصنع الأشياء دون تكلف، أن نعيش على بساطتنا، أن نجلس مع شخص نحبه، أن نقرأ كتابًا، أن نجتمع مع عائلاتنا لنحتسي القهوة ونتسامر، أن نزور مريضًا وندخل الفرحة على قلب حزين، أن نرى الأشخاص بقلوبنا لا بأعيننا، وأن نتعامل بأخلاقنا لا بأعصابنا.
فالملل أحيانًا ليس عدوًا كما نعتقد؛ قد يكون رسالةً هادئة تقول لنا: توقّف قليلًا، لقد امتلأت عيناك بالكثير، لكن روحك ما زالت تبحث عن معنى.
وفي زمنٍ سريع لا يمنحنا فرصة لالتقاط أنفاسنا، ربما يكون أجمل ما نفعله أن نتوقف قليلًا… لا لنقتل الملل، بل لنفهمه.
والسؤال: فهل نحن فعلًا نشعر بالملل من الحياة، أم أننا فقدنا القدرة على الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة التي تجعلها جميلة؟