بقلم / د. طلق المسعودي
في شمال الحجاز، حيث تمتد الأرض بهدوئها، وتتنفّس الجبال تاريخاً، وتحتفظ القرى بذاكرة الآباء والأجداد، تبرز قبيلةُ المساعيد كنبراسٍ من نور، وصورةٍ ناطقةٍ للأصالة العربية، ومرآةٍ صافيةٍ لكرمٍ لا يذبل، وشهامةٍ لا تُساوَم، ونخوةٍ لا تُهزم، رغُم تغير الكثير من مفاهيم الأصالة في زمننا الحالي.
كرمُ المساعيد ليس طيفاً عابراً، ولا عادةً تُستحضر عند اللزوم، بل هو سيرةُ حياة، ووصيةُ آباء، وعهدُ أجداد. كرمٌ يبدأ من ابتسامةٍ تُشعر الضيف بأنه في داره، ولا ينتهي عند مالٍ يُبذل، بل يمتدّ إلى وقتٍ يُمنح، وجهدٍ يُقدّم، وموقفٍ يُسجَّل، ووقفةٍ تُعيد للمروءة معناها.
وليس الكرم عند المساعيد حكراً على كبارهم، ولا هو خلقُ يشيخ مع السنين، بل هو غرسٌ ينبت في صدور صغارهم قبل أن تشتدّ سواعدهم. فالنشء عندهم يتربّى على العطاء كما يتربّى على الفطرة، ويشبّ على الإيثار كما يشبّ على الرجولة. ترى في وجوههم حياء الكرام، وفي أفعالهم جرأة السخاء، وكأن الكرم ماءٌ يسري في عروقهم، لا يحتاج إلى تعليمٍ ولا تلقين.
ومن المواقف التي لا تُنسى في البدع، أن شاباً يافعاً رآني أسير في الطريق، فبادرني بابتسامةٍ صادقة، وأصرّ على استضافتي إصرار الكريم الذي لا يقبل الاعتذار. كان حديثه أدفأ من الشمس، ونيّته أنقى من السحاب، وكأنما يقول بفعله: “الضيف ضيفنا، والكرم دينٌ لا نتهاون فيه.”
ذلك الموقف البسيط في ظاهره، العظيم في معناه، كان شاهداً على أن الكرم عند المساعيد لا يُورَّث بالكلام، بل يُورَّث بالفعل، وأن الصغير فيهم صورةٌ صادقةٌ عن الكبير، وأن النخوة إذا سكنت القلوب… نطقت بها الأقدام قبل الألسنة.
لقد ضرب المساعيد أروع الأمثلة في العطاء، مع القريب قبل البعيد، ومع من عرفوهم ومن لم يعرفوهم. فبيوتهم مفتوحة قبل أن تُطرق، وقلوبهم أوسع من الفيافي، وموائدهم شاهدةٌ على أن الكرم عندهم طبعٌ قبل أن يكون تطبعاً، وفطرةٌ قبل أن يكون فعلاً. وإذا حضرت النخوة، حضرت المساعيد معها، يسبق فعلهم القول، وتسبق مواقفهم كل وصف.
وفي الملمات، تُختبر المعادن، وتنكشف الحقائق. فإذا اشتدّت الحاجة، وضاقت السبل، كان المساعيد في الصفوف الأولى؛ وقفةُ رجلٍ مع رجل، ووقفةُ قبيلةٍ مع قضية. يمدّون يد العون بلا منّة، ويقفون مع المحتاج بلا انتظار مقابل، إيماناً منهم بأن الشهامة شرفٌ لا يُجزّأ، وأن الفزعة واجبٌ لا يُؤجَّل.
وما حملات الخير، ومواقف الفزعة، ومشاهد التكاتف، إلا شواهدُ حية على مجتمعٍ قبليٍ أصيل، لم تُغره الدنيا بزخارفها، ولم تُفرّقه المصالح، فبقي ثابتاً على قيمه، متمسكاً بإرثه، يسير إلى الحاضر بثقةٍ لا تهتز، واعتزازٍ لا ينطفئ.
أما محافظة البدع، فليست مجرد أرضٍ وبيوت، بل هي حضنٌ دافئ لرجالٍ عرفوا الزراعة والحرث، وتربّوا على الكرامة والعيش الكريم. رجالٌ صنعوا من الأرض انتماءً، ومن الجيرة أخوّة، ومن القيم سلوكاً يومياً. في كل بيتٍ من بيوتها قصةُ كرم، وفي كل مجلسٍ موقفُ شهامة، وفي كل رجلٍ امتدادٌ لتاريخٍ يرفع الرأس.
إن الحديث عن مساعيد شمال الحجاز هو حديثٌ عن الوفاء حين يغيب الوفاء، وعن المروءة حين تتراجع المروءة، وعن نخوةٍ لا تخذل، وقبيلةٍ ما زالت تؤمن بأن الرجال تُعرف بمواقفها، وأن الكرم لا يُقاس بكثرته، بل بصدق نواياه.
حفظ الله مساعيد شمال الحجاز،
وحفظ أرضهم ورجالهم وقيمهم،
وجعل ما يبذلونه في موازين حسناتهم،
وأبقى نخوتهم وكرمهم رايةً خفّاقة، ودليلاً على أن الأصالة… لا تموت.