رحل الشيخ عطية بن سليمان أبو رجل المسعودي (أبو سعد) عن دنيانا الفانية، وخلّف وراءه أثرًا طيبًا وذكرًا عاطرًا لا يمحوه الزمن.
كان رجلًا من طرازٍ نادر، يحمل في قلبه صفاء النية، وفي يده كرم العطاء، وفي مواقفه شهامة الرجال وأصالة المعدن.
عرفه القريب والبعيد بوجهه البشوش ونيّته الطيبة، لا يردُّ محتاجًا، ولا يغلق بابه أمام طالب خير، فاستحق أن يُلقّب بـ وجه السعد، لأنه كان بابًا للخير ووجهاً يُبشّر بالفرج والكرم.
عرفته قبل سنوات، حين زرت “البدع” أنا وأخي الشيخ ناجي، وكان وقتها الشيخ عطية يعاني من ضعف شديد في بصره، لا يكاد يرى إلا الشيء البسيط، لكنه ورغم ذلك يُرى فعله وثقله ومكانته العظيمة بين أبناء عمومته.
وفي إحدى الليالي كنا معزومين عند أحد معارفه، ومع علمه بظروف سفرنا إلى مكة، أصرَّ – رغم تأخر الوقت – أن نتقهوى عنده منتصف الليل. كان إصراره على دعوتنا شديدًا وصادقًا ، وإلحاحه يفيض بالمحبة والكرم.
وبعدها بسنوات، فقد بصره تمامًا، ولكن هل ينثني هذا الهُمام!
بل ضرب مثلاً آخر في الصبر والإحتساب لنتعلم منه طيب النفس مع الرضا ، والسعادة في التسليم والقبول، وهنيئًا له فقد قال الله تعالى في حديث قدسي: “إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتَيه، فصبرَ عَوَّضْتُه منهما الجنة”، والمراد بـ “حبيبتيه” عيناه، فالله ندعو ونرجو أن يكون جزاؤه الجنة من عند الله تعالى.
الشيخ عطيه ورغم ابتلاؤه بفقد بصره؛ ظل حاضرًا في المناسبات والمحافل، يؤدي واجباته الاجتماعية دون تردد أو تأخر، يُرافقه أحد أبنائه فيُعرّفه بمن أمامه قبل أن يسلّم عليه، ليبقى قلبه يرى ما غاب عن عينيه، وتبقى محبته للناس نورًا لا ينطفئ، وقد كان لقائي الأخير به قريبًا جدًا إذ لم يمضِ إسبوعين على لقاءنا الأخير حتى وصلني ذلك الخبر الفاجع، وابتسامته لازالت في عيني وكلماته ترن في أذني وحديثه الطيب الجميل لايزال يتردد في قلبي رحمه الله رحمةً واسعة وأسكنه فسيح جنانه .
إن فراق أمثال هذا الرجل ليس كفقد مالٍ أو جاهٍ أو متاعٍ زائل، وإنما هو كما قال الشاعر الهمداني:
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ
ولا شاةٍ تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقدُ حُرٍّ
يموت بموته خلقٌ كثير
نعم، بموت الشيخ عطية، فقدت القبيلة أحد أعمدتها، وفقد الناس رجلًا كانت همومهم همَّه، وأحزانهم حزنه، يسعى في الخير بصمتٍ، ويصل الرحم دون رياءٍ أو انتظار شكر.
واليوم، ونحن نودّع “وجه السعد” ونستحضر سيرته العطرة، نُذكّر أنفسنا بأن الدنيا دار فناء، وأن الباقي هو الأثر الطيب والعمل الصالح.
فما أجمل أن نخلّد ذكره بأن نكمل طريقه في البذل والعطاء.
ومن أعظم أبواب الخير في هذا الوقت التبرع لعتق رقبة إبراهيم بن معيوف المسعودي، على نية الشيخ عطية، لعلها تكون صدقةً جاريةً له، ووفاءً لنهجه الكريم في نصرة الملهوف.
إن فعل الخير لا ينقطع، ومن أحيا نفسًا فكأنما أحيا الناس جميعًا، ومن ساهم في عتق رقبة فقد نال أجرًا عظيمًا عند الله، وكتب له أثرًا لا يزول.
وإن كان الشيخ أبو سعد قد غاب عن أعيننا اليوم، فإنه في ضيافة أرحم الراحمين، عند من هو أكرم وأجود منا جميعًا.
لكن لو افترضنا أنه ضاف أحدنا في هذه الليلة،
هل كنّا سنقصر في ضيافته؟
هل كنّا سنتردد في إكرامه؟
كلا والله، كنا سنقدّم له الغالي والنفيس، ونفرش له صدورنا قبل بيوتنا.
واليوم، ضيافته الحقيقية تكون بعملٍ صالحٍ نهديه له، وبتبرعٍ نبتغي به وجه الله، ونربط به أثره في الدنيا بعد رحيله.
فلنجعل من هذه الأيام أيام وفاءٍ وعطاءٍ على نية الشيخ عطية، نكرمه كما كان يكرم الناس، ونجعل عمله يمتد في ميزان حسناته.
رحم الله وجه السعد، وجزاه الله عن قومه وأهله خير الجزاء، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وكتب لنا وله القبول في الدنيا والآخرة