بقلم / ريم بنت مطلق القرشي
كُنتُ يومًا أَحْلُمُ أَنْ أُحَلِّقَ بِجَنَاحَي الطُّمُوحِ فِي فَضَاءِ لا تُحَدُّهُ غُيُومُ الخَوْفِ، وَلا تُثَقِّلُ أُفُقَهُ رِيَاحُ العَقَبَاتِ، كَطَائِرٍ يَسْبَحُ فِي مَلَكُوتِ العُلَا، يُوَاكِبُ النُّورَ فِي عَلِيَائِهِ، مُسْتَشْعِرًا وَعْدَ اللهِ بِأَنَّ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ نَصِيبًا، وَلِكُلِّ صَابِرٍ فَتْحًا وَعَوْنًا، كَمَا قَالَ الحقُّ تَعَالَى:
{فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا}.
وَمَضَتِ الأَيَّامُ، فَخَطَوْتُ بِخُطًى الوَاثِقِ، وَنِلْتُ مَا كَانَ بِالأَمْسِ أَمَانِيَّ مُعَلَّقَةً بَيْنَ نُجُومِ الأَمَلِ، وَأَسْكَنْتُ فِي قَلْبِي طُمَأْنِينَةَ الوَاثِقِينَ.
شَعَرْتُ حِينَها أَنَّ اللَّيْلَ مَهْمَا طَالَ، لا يَمْنَعُ فَجْرًا يُنِيرُ طَرِيقَ الصَّابِرِينَ، وَأَنَّ السَّعْيَ المُخْلِصَ يُوَلِّدُ حَصَادَ الأَمَلِ كَمَا وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ.
غَيْرَ أَنَّ دُرُوبَ الحَيَاةِ لا تُمَهَّدُ بِالوُرُودِ دَائِمًا؛ فَكَمْ مِن شَوْكَةٍ خَبَّأَتْهَا الأَيَّامُ فِي طَرِيقِي، وَكَمْ مِن عِثْرَةٍ حَاوَلَتْ أَنْ تُطْفِئَ جَذْوَةَ الإِصْرَارِ فِي صَدْرِي.
لَقَدِ اخْتَبَرَتْنِي الأَيَّامُ كَمَا يَخْتَبِرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالابْتِلَاءِ، فَكَانَ كُلُّ مَا وَاجَهْتُهُ مَدْرَسَةً تُعَلِّمُنِي الصَّبْرَ، وَكُلُّ عِثْرَةٍ دَرْسًا فِي المُثَابَرَةِ، وَكُلُّ صُعُوبَةٍ مَنَارَةً تُنِيرُ قَلْبِي وَتَزِيدُنِي يَقِينًا بِأَنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، كَمَا قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.
تَعِبْتُ، نَعَمْ، لَكِنْ قَلْبِي يَأْبَى الانْكَسَارَ؛ فَفِي دَاخِلِي نُورٌ لا يَخْبُو، وَرُوحٌ عَصِيَّةٌ عَلَى اليَأْسِ، وَعَزِيمَةٌ تَنْهَضُ مَعِي مَعَ كُلِّ فَجْرٍ.
وَكُلَّمَا قَارَبْتُ أَنْ أَنْهَارَ، انْتَشَلَتْنِي إِرَادَتِي مِنْ عُمقِ العَثَرَاتِ، كَجَنَاحٍ لا يَنْسَى طَرِيقَ السَّمَاءِ، مُسْتَنِيرًا بِآيَاتِ الصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ، أَسْمَعُ فِي قَلْبِي هَمْسَ الحَقِّ:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا}.
وَفِي أَعْمَاقِي نَفْسٌ تُوَّاقَةٌ إِلَى العُلَا، لا تَرْضَى الضُّعْفَ مَهْمَا كَثُرَتِ الصِّعَابُ.
هِيَ نَفْسٌ تَصْمُتُ حِينَ يَضْجُّ العَالَمُ بِالأَصْوَاتِ، وَتَتَحَدَّثُ فَقَطْ لِمَنْ تَرْتَاحُ لَهُ رُوحُهَا، لِمَنْ يَسْمَعُهَا بِقَلْبِهِ قَبْلَ أُذُنِهِ، فَتُفْصِحُ عَنْ سِرِّهَا بِهُدُوءٍ وَحِكْمَةٍ، وَتَتْرُكُ لِلْكَلِمَاتِ أَنْ تُولَدَ مِن صَفَاءِ الشُّعُورِ لا مِن ضَجِيجِ الكَلاَمِ.
تَجْمَعُ هَذِهِ النَّفْسُ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالعَزِيمَةِ وَالأَمَلِ، وَتَبْقَى شَاهِدَةً عَلَى سَعْيِي المُسْتَمِرِّ، مَهْمَا طَالَ الطَّرِيقُ أَو تَعَقَّدَتِ الدُّرُوبُ.
وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ أَخْطُوهَا، يَزْدَادُ يَقِينِي بِأَنَّ العَزْمَ لا يَضْعُفُ، وَأَنَّ السَّعْيَ لا يُهْدَرُ، وَأَنَّ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ ثَمَرَةً، كَمَا يُعَلِّمُنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ:
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ}.
فَأَجِدُ فِي الصَّبْرِ قُوَّةً، وَفِي الإِصْرَارِ عَزِيمَةً، وَفِي التَّفَاؤُلِ بَصِيصَ نُورٍ لا يَنْطَفِئُ، يُجْعَلُ مِن قَلْبِي قَصْرًا مِنَ الصُّمُودِ، وَمِن رُوحِي بَحْرًا لا يَعْرِفُ الجَزْرَ، وَمِن خُطُوَاتِي سَعْيًا نَحْوَ العُلَا بِلَا خَوْفٍ وَلا تَرَاجُعٍ.
وَمَا زَالَ قَلْبِي يَرْفِرِفُ، يَتَوَقُّ إِلَى أُفُقٍ لَمْ يَكْمُل بَعْدُ، وَحُلْمِي يُرَافِقُنِي فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، يُذَكِّرُنِي بِمَا لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ بَعْدُ، وَبِالسَّعَادَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُنِي عِنْدَ بُلُوغِ الهَدَفِ.
قَلْبِي لا يَمَلُّ الطَّيَرَانَ، وَرُوحِي تَزْدَادُ عَزِيمَةً وَإِصْرَارًا، مُسْتَنِيرَةً بِالأَمَلِ، مُؤْمِنَةً بِأَنَّ السَّعْيَ المُثَابِرَ لا يَضِيعُ، وَأَنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ نَحْوَ الهَدَفِ، مَهْمَا كَانَتْ صَغِيرَةً، تُقَرِّبُنِي مِن تَحْقِيقِ مَا تَصْبُو إِلَيْهِ نَفْسِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}.
وَفِي نِهَايَةِ المَطَافِ، أَدْرِكُ أَنَّ كُلَّ حُلْمٍ يُسْعَى لَهُ، وَكُلَّ جُهْدٍ يُبْذَلُ بِإِخْلَاصٍ، لا يَضِيعُ عِندَ اللهِ.
فَمَا دَامَ القَلْبُ مُؤْمِنًا، وَالعَزْمُ مُتَّقِدٌ بِنُورِ الأَمَلِ، فَالْفَجْرُ لا بُدَّ أَنْ يُشْرِقَ، وَيَزْهَرَ الحُلْمُ وَلَو بَعْدَ حِينٍ.