بقلم : أ. ريم المطيري
قبل أيامٍ ليست ببعيدة، مررتُ بوعكة صحية باغتتني كريحٍ باردةٍ في منتصف صيفٍ هادئ، واضطررت بسببها للبقاء على السرير الأبيض أيامًا معدودات ولكنها امتدت في قلبي دهورًا من القلق والتعب. كان المرض في ذاته مؤلمًا، غير أن الأصعب منه كان الإحساس بالوحدة والفراغ، ولأنني امرأة نجدية النشأة والجذور، لم يكن لي من قرابة دم في مكة المكرمة .
ولأن نظام المستشفى لا يسمح للمريض بالبقاء دون مرافق، بدا الأمر مستحيلاً، فمَن لي في هذه الديار من امراة تقوم بدور الأهل والسند؟
لكن ما كنت أظنُّه مستحيلاً، تحقق على نحوٍ يشبه المعجزات الصغيرة التي لا يُدرك سرها إلا من ذاق طعم اليأس.
رفيق السرير الأبيض الذي اتحدث عنه دخل إلى قسم الشؤون الاجتماعية في المستشفى مهابُ الطلعة، ثابت النظرة، يعرف ما يريد ويعرف كيف يطلبه. تحدث إليهم بكل أدبٍ جمّ، وطلب أن يكون مرافقًا لي، فقوبل طلبه أول الأمر بالرفض، إذ حاول الموظفون ثنيه عن رأيه، ورفعوا في وجهه لوائح النظام، وأغلقوا دونه أبواب “المسموح والممنوع”، غير أنهم ما لبثوا أن وجدوا أنفسهم أمام منطقٍ أقوى من البيروقراطية نفسها.
صديقي ذاك كان حين يتحدث، تتلبّسه روح المحامي المتمكن، كأنه قضى نصف عمره بين دفاتر القوانين وسجلات العدالة، يدافع بحجةٍ ناصعة، ويستشهد بلغةٍ فخمةٍ لا تقبل التردد. لغته العربية حينها كانت فصيحة إلى درجةٍ تجعلك تظن أن سيبويه قد عاد في هيئة رجلٍ حجازي أنيق، كيف لا وهو من قبيلةٍ شُهد لها بالفصاحة والبلاغة، ثم فجأة، وبذات الرصانة، ينتقل إلى لهجته البدوية الأصيلة فيضرب مثلًا من عمق الصحراء، يجعل من فصاحته وعاميته مزيجًا فريدًا بين رهافة البيان وبساطة البادية.
يجعل من أمامه يتسائل: أهو بدويٌّ يُتقن الفصحى أم فصيحٌ تشرّب العامية حتى أصبحت جزءًا من أناقته اللغوية؟
لم تمضِ سوى لحظات حتى فُتح باب غرفتي، فإذا به يدخل ملوحًا بورقة الموافقة، وعلى وجهه ابتسامة النصر التي أعرفها جيدًا، تلك التي تسبق دومًا كلماته المليئة بالثقة. قال بصوته الجهوري وبلسانٍ فصيحٍ كأنه خارجٌ من قصيدةٍ قديمة:
( انا لها وأهلُ لها)
ثم أردف ضاحكًا بلهجته البدوية المحببة :
(ماتعوق الا على الرخوم )
ضحكتُ بين الدهشة والامتنان، ضحكةً خرجت من قلبي المرهق، ضحكةً امتزج فيها الحب بالفخر، والامتنان بالعجز عن الوصف. كان أمامي صديقي الأقرب، ورفيق دربي، ونديمي الذي يُغذي روحي بالعلم والأدب والفكر، والذي لا يمل من نقاشٍ ولا يكل من حديثٍ يروي عطش العقل قبل عطش القلب.
صديقُ إذا حادثته كان كالبستان الذي يُهديك من كُل موضوعٍ ثمرةٍ يانعة، ومن كُل بحر لؤلؤة نادرة، ومن كُل حكاية ضحكات لا تُنسى.
اتذكر أنني أطلقتُ عليه ألقابًا شتى: الاستثنائي، وأبيض النبعين، وآخر النبلاء، غير أني اليوم، وبعد تلك الحادثة، وجدتني عاجزة عن إطلاق لقبٍ يليق به. فما عاد في اللغة من وصفٍ لم يُستهلك، ولا في القواميس من كلمةٍ تسع جلال ما يفعل.
لقد كان ذلك الموقف فيص من غيض من مواقف كثيرة لم أعد أحصيها إلا أنها كُلها شاهدًة على شهامته، وتجليًا جديدًا من تجليات نُبله الأصيل، ذاك النبل الذي لا يُكتسب بالتعلم، بل يُورث كما تُورث المروءة في الدماء العربية .
ذلك الرجل الذي يواجه الدنيا بابتسامته المطمئنة، يكسو القسوة بلطفٍ نادر، ويقابل التعب بحنوٍّ صادق، ويجعل من حضوره راحة ومن حديثه سكينة، رفيق السرير الأبيض ذاك هو زوجي وصديقي ورفيق حياتي.
لم يكن “مرافقي في المستشفى” فحسب، بل كان مرافقي في الحياة، في المرض كما في الصحة، في الحزن كما في الفرح، في الصمت كما في ضجيج الأيام.
كتبت هذا المقال لأخلّد لحظةً لن تمحوها الأيام، ولأقول على مرأى من الكلمات إن الامتنان أحيانًا لا يُقال، بل يُكتب لئلا يضيع بين زحام الأيام.
إنه شكري الذي لا ينتهي، وامتناني الذي لا يبهت مهما مرّ الوقت، سيبقى اسمه في قلبي دعاءً صادقًا، وفي ذاكرتي حكايةً من حكايات الوفاء التي لا تموت، حتى وإن طوتني الحياة يومًا ما.