بقلم: لانا مراد
#الكاتبة_الصغيرة
وَفَجْأَةً، بِلا أَيِّ تَمْهِيدٍ، تُداهِمُكَ لَحْظَةُ إِدْراكٍ مُذْهِلَةٍ، حِينَ تَلْتَفِتُ إِلَى صَفَحاتِ التارِيخِ. نَعَمْ، إِنَّهُ اليَوْمَ ذاتُهُ، فِي الشَهْرِ نَفْسِهِ، مُنْذُ عامٍ، كُنْتُ أَعِيشُ هُنا، لٰكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَنا! فَتَتَأَمَّلُ فِي صُورَتِكَ المُنْعَكِسَةِ عَلَى زُجاجِ المِرْآةِ، تَتَفاجَأُ بِرُؤْيَةِ شَخْصٍ يُشْبِهُكَ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، إِلّا أَنَّ مَلامِحَهُ تَبْدُو مُخْتَلِفَةً. تِلْكَ التَفاصِيلُ الدَقِيقَةُ الَّتِي لا يَراها احْدٌ سِواكَ، آثارُ السِنِينَ وَبَصَماتُ التَجارِبِ، وَكُلُّ ما مَرَّ عَلَى مَرْآكَ. إِنَّهُ اِنْعِكاسٌ لِي، وَلٰكِنَّهُ لَيْسَ أَنا!
تَمُدُّ يَدَيْكَ وَكَأَنَّكَ تُرِيدُ لِلصُورَةِ أَنْ تَسْحَبَكَ مَعَها حَيْثُ تَشاءُ، فَتَتَجَلَّى لَكَ وَكَأَنَّها تُعِيدُ تَشْكِيلَ نَفْسِها. وَعِنْدَما تَلْمِسُها مُحاوِلاً الإِمْساكَ بِظِلِّكَ أَوْ بِصُورَتِكَ المُنْعَكِسَةِ أَوْ حَتَّى بِشَبِيهِكَ، تَشْعُرُ وَكَأَنَّكَ اِنْجَرَرْتَ إِلَى مَلاذِ الذِكْرَياتِ، إِلَى مَلَفٍّ يَحْمِلُ شَظايا مِنْ عامٍ مَضَى، إِلَى مَحَطَّةِ تَجارِبِ الأَمْسِ وَأَحْلامِ الغَدِ وَآمالِ سُطْرَتِها عَلَى وَرَقٍ فَغدتْ فاتَتْ. فَتُخاطِبُ نَفْسَكَ قائِلاً: إِنَّ ما مَضَى قَدْ فاتَ. إِنَّها اللَحَظاتُ وَالدَقائِقُ وَالساعاتُ ذاتُها، إِنَّها الأَيّامُ وَالشُهُورُ، لٰكِنْ بِغَيْرِ سَنَواتٍ. إِنَّهُ العُمْرُ الَّذِي يَسِيرُ بِنا، فَنَكْتَشِفُ فِيهِ بَعْضَ الصُوَرِ المُعَلَّقَةِ كَذِكْرَياتٍ. وَلٰكِنْ، ما هِيَ حَصِيلَةُ تِلْكَ الأَيّامِ؟ وَأَيُّ دُرُوبٍ سَلَكَتْ فِي عالَمٍ يَكْتَنِفُهُ الاِزْدِحامُ؟ هَلْ خَرَجْتَ مِنْ هٰذِهِ السَنَةِ بِإِنْجازٍ لَكَ يَثِقُ المِيزانُ؟ هَلْ نَمْتَ وَتَغَيَّرَتَ لِتُصْبِحَ نُسْخَةً أَفْضَلَ مِنْ ذاتِكَ، أَمْ أَنَّكَ بَقِيتَ عَلَى حالِكَ، أَمْ ماذا تَنْتَظِرُ مِنْ الأَيّامِ؟
تَنْظُرُ بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ، فَتَعْلَمُ يَقِيناً بِأَنَّ حِيلَتُكَ قَصِيرَةٌ، وانَ لُطْفُ اللّٰهِ شامِلٌ وَعَطْفُهُ كامِلٌ، فَتَحْمَدُ اللّٰهَ عَلَى كُلِّ مَوْقِفٍ مُرًّ، وَكُلُّ شُعُورٍ فِي القَلْبِ اِسْتَقَرَّ تَعَدُّدُ لُطْفِهِ، وَتَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ، تَسْتَحْضِرُ فِي ذاكِرَتِكَ أَنَّكَ قَبْلَ عامٍ واجَهْتْ تَحَدِّياتٍ حَمَلْتُ فِي طَيّاتِها شُعُوراً بِالعَجْزِ، حَيْثُ أَقْنَعْتَ نَفْسَكَ أَنَّها تَفُوقُ قُدْرَتَكَ عَلَى التَحَمُّلِ، وَأَنَّها سَتُثْقِلُ كاهِلَكَ إِلَى الأَبَدِ. وَلٰكِنْ، مَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، تَجِدُ أَنَّكَ اِجْتَزْتَ تِلْكَ المِحَنَ بِرَحْمَةِ اللّٰهِ، وَكَأَنَّ الأَثْقالَ الَّتِي كانَتْ تُمْسِكُ بِكَ قَدْ اِنْزاحَتْ بِهُدُوءٍ. فَتَشْكُرُ اللّٰهَ عَلَى لُطْفِهِ وَتُواصُلِ مِشْوارَكَ، مُفْعَماً بِاليَقِينِ بِأَنَّ رَبَّ الخَيْرِ لا يُرْسِلُ إِلّا الخَيْرَ، وَأَنَّ كُلَّ ما يَبْدُو لِلوَهْلَةِ الأُولَى شَرّاً، قَدْ يَحْمِلُ فِي جَوْهَرِهِ حَقِيقِيّاً مَدْفُوناً بِالخَيْرِ، وَأَنَّ كُلَّ مَرٍّ سَيَمُرُّ لِيَأْتِيَ بِاليُسْرِ الَّذِي يَسِّرَ فَقَطْ ثِقْ بِصِدْقِ اللّٰهِ العَظِيمِ.
مَرّاة وَهُمْ