بقلم: لانا مراد
#الكاتبة_الصغيرة
كَمْ يُثِيرُنِي مَشْهَدُ التَحَوُّلِ فِي حَياةِ البَشَرِ، تِلْكَ اللَحْظَةُ السِحْرِيَّةُ الَّتِي يَخْتارُ فِيها الفَرْدُ أَنْ يُصْبِحَ بَطَلَ قِصَّتِهِ، فَالموقف الَّذي حَطَّمَه لِشَظايا قَرَّرَ وَبِكُلِّ عَزِيمَةٍ أَنْ يَصْنَعَ مِنْ هٰذِهِ القِطْعِ نُسْخَةً أَكْثَرَ إِشْراقاً فِي هٰذا الكَوْنِ المُظْلِمِ أَنْ يُقَرِّرَ، وَرَغْمَ سُوءِ ما رَأَى بِأَنْ لا يَكُونَ نُسْخَةً، بَلْ رَقْماً صَعْباً لا يَنْسَى. تِلْكَ اللَحْظَةُ الفَرِيدَةُ الَّتِي تَتَجَلَّى فِيها اِنْطِلاقَةُ رَسْمِ صُورَةٍ جَدِيدَةٍ، تَخْتَلِفُ الاِخْتِلافُ كُلُّهُ عَنْ سابِقَتِها، حَيْثُ يَنْكَسِرُ الإِطارُ الَّذِي وَضَعَ زَعْماً عَلَى صُورَةٍ لا تَعْكِسُ حَقِيقَةَ جَمالِها الداخِلِيِّ. وَيُسَلِّطُ الضَوْءُ عَلَى الظَلامِ الَّذِي تَمَكَّنَ الشَخْصُ مِنْ خِلالِهِ مِنْ اِسْتِعادَةِ ذاتِهِ، وَيَنْطَلِقُ بِعَوْنِ اللّٰهِ مِنْ أَعْماقِ ما هُوَ فِيهِ نَحْوَ بِدايَةٍ جَدِيدَةٍ. كَفَراشَةٍ تَخْرُجُ حَدِيثاً مِنْ شَرْنَقَتِها، تَفْرِدُ جَناحَيْها فِي هٰذا العالَمِ، غَيْرَ مُدْرِكَةٍ لِجَمالِ ما تَحْمِلُهُ، بَيْنَما تُراقِبُها العُيُونُ مِنْ حَوْلِها وَتَذْهَلُ بِها.
يا لَهُ مِنْ شُعُورٍ عَمِيقٍ عِنْدَما يَنْكَسِرُ القِناعُ الأَسْوَدُ الَّذِي طالَما اِخْتَبَأَ خَلْفَهُ الإِنْسانُ، لِسَبَبٍ مَجْهُولٍ لِلعالَمِ وَمَعْلُومٍ عِنْدَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَيْضاً غامِضاً لَدَيْهِ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ بَعْدُ. تَتَجَلَّى أَمامَهُ شَجاعَةٌ فَذَّةٌ تَدْفَعُهُ لِيُحَرِّرَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَنْطَلِقَ بِجُرْأَةٍ نَحْوَ تَحَدِّياتِ الحَياةِ وِفْقاً لِشُرُوطِهِ الخاصَّةِ، لِيُصْبِحَ رُبّانَ سَفِينَتِهِ وَبَطَلِ رِوايَتِهِ. يَسِيرُ بِخُطُواتٍ واثِقَةٍ أَمامَ أَنْظارِ مَنْ حَوْلَهُ، رَغْمَ أَنَّ زَوابِعَ الشَكِّ لا تَزالُ تَتَلاطَمُ فِي أَعْماقِهِ، إِذْ إِنَّ قَلْبَهُ ما زالَ يُعانِي آثارَ الأَمْواجِ العاتِيَةِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، اِتَّخَذَ قَرارَهُ الجازِمَ بِالمُضِيِّ قُدُماً، غَيْرَ مُبالٍ بِالتَضْحِياتِ الَّتِي قَدْ يَتَطَلَّبُها ذٰلِكَ. تَفِيضُ عَيْناهُ بِالدُمُوعِ كُلَّما اِسْتَرْجَعَ جِراحَهُ، وَلٰكِنَّ تِلْكَ التَجارِبَ القاسِيَةَ، الَّتِي قَدْ تُؤْلِمُ القَلْبَ، هِيَ الَّتِي تَتْرُكُ نُدُوباً تُضْفِي سِحْراً خاصّاً عَلَى مَسِيرَتِهِ، وَتَمْنَحُهُ عُمْقاً وَحِكْمَةً وَقُوَّةً لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
إِنَّ النَجاحاتِ المُتَكَرِّرَةَ فِي حَياةِ الإِنْسانِ تُبْهِرُ الأَلْبابَ، لٰكِنْ يَبْقَى الفَصْلُ الأَجْمَلُ فِي قِصَّةِ حَياتِكَ هُوَ تِلْكَ المُحاوَلاتُ الشَجاعَةُ لِلنُهُوضِ بَعْدَ السُقُوطِ. عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ اللّٰهَ الحِكْمَةَ فِي ما أَصابَكَ، وَأَنْ تَثِقَ بِأَنَّ خالِقَكَ لَنْ يَتْرُكَكَ، وَأَنَّ ما قَدْ أَصابَكَ لَيْسَ إِلّا جُزْءاً مِنْ قَدْرٍ يَسِيرُ عَلَيْكَ، فَتَتَذَوَّقُ مِنْ خِلالِهِ مَعانِيَ الصَبْرِ وَالرِضا عَلَى ما لَمْ تَكُنْ لِتَعَلِمَهُ. وَاِبْتَهِلْ إِلَى اللّٰهِ أَنْ يَمْنَحَكَ الثَباتَ فِي كُلِّ الظُرُوفِ.
أَنْتَ نِتاجُ الأَيّامِ، لا الدُرُوسُ أَوْ المَعارِفُ أَوْ الأَقْلامُ، بَلْ أَنْتَ مَنْ يَخْتارُ الطَرِيقَ، وَمَنْ يَكُونُ لَكَ بَعْدَ اللّٰهِ رَفِيقُكَ، فَأُحْسِنُ الاِخْتِيارَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لا يُغْفَلُ، فَيُدَبِّرُ الأَمْرُ وَالناسُ نِيامٌ.
انبعاث النور من العتمة