بقلم: لانا مراد
#الكاتبة_الصغيرة
لا يُمْكِنُ لِأَيِّ شُعُورٍ أَنْ يُضاهِيَ تِلْكَ الغُرْبَةَ القاسِيَةَ الَّتِي تُهاجِمُكَ دُونَ سابِقِ إِنْذارٍ، خاصَّةً بَعْدَ لَحْظاتٍ تَكُونُ فِيها مُحاطاً بِأَشْخاصٍ يُشارِكُونَكَ الضَحِكاتِ، ثُمَّ تَعُودُ لِتَجِدَ نَفْسَكَ فِي عُزْلَتِكَ الذاتِيَّةِ، حَيْثُ يَهْمِسُ لَكَ صَوْتُكَ الداخِلِيَّ بِأَنَّكَ غَرِيبٌ فِي هٰذا المَكانِ. تَجِدُ نَفْسَكَ تَغُوصُ بِحَماسٍ فَرِيدٍ فِي قَوامِيسِ اللُغَةِ، آمِلاً أَنْ تَكْتَشِفَ كَلِمَةً واحِدَةً قَدْ تُعَبِّرُ عَنْ ذٰلِكَ الإِحْساسِ يَخْتَلِجُ صَدْرَكَ، وَلٰكِنَّ مُحاوَلاتِكَ تَذْهَبُ سُدىً. فَتَبْدَأُ فِي كِتابَةِ أَسْطُرٍ طَوِيلَةٍ، عَلَكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصِفَ تِلْكَ المَشاعِرَ المُتَناثِرَةَ كَحَبّاتِ النَدَى الَّتِي تَتَلَأْلَأُ عَلَى أَوْراقِ الشَجَرِ وَلٰكِنْ فَجْأَةً، يَتَوَقَّفُ قَلَمُكَ، عالِقاً فِي رِحْلَةِ اِسْتِكْشافِ مَعْنَى المَجْهُولِ الَّذِي يَسْكُنُ أَعْماقَكَ. وَعَلَى وَرَقَةٍ بَيْضاءَ، سُطَّرَتْ بَعْضُ السُطُورِ الَّتِي قَدْ تَبْدُو لِلقُرّاءِ كَأَنَّها رُسُوماتٌ بِلا طائِلٍ وَكَلِماتٍ بِلا مَغْزىً. فَتَقِفُ مَشْدُوهاً أَمامَ ما خَطَّتْهُ يَداكَ، إِنَّهُ شُعُورُ الشَوْقِ لِلأَهْلِ وَالأَصْدِقاءِ وَالأَماكِنِ، وَلَرُبَّما لِذّاتِكَ، وَلِتِلْكَ التَفاصِيلِ الصَغِيرَةِ الَّتِي كانَتْ تُضْفِي سِحْراً عَلَى أَيّامِكَ قَبْلَ أَنْ تَبْتَعِدَ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ أَحْلامِكَ. فَتَتَجَلَّى لَحْظَةً مِنْ الصَمْتِ، لِتُكَرِّمَ نَفْسَكَ لِأَنَّكَ أَصْبَحْتَ مَسْؤُولاً عَنْ اِخْتِياراتِكَ وَحَياتِكَ، وَلِتُدْرِكْ أَنَّ النَدَمَ وَالتَحَسُّرَ عَلَى الماضِي لَنْ يُغَيِّرَ شَيْئاً. تَسْتَمِرُّ فِي السَيْرِ فِي طُرُقٍ جَدِيدَةٍ، قَدْ لا تُشْبِهُكَ فِي بَعْضِ الأَحْيانِ، لٰكِنَّها قَدْ تُشْبِهُكَ فِي أَحْيانٍ أُخْرَى، كُلُّ دَرْبٍ يَحْمِلُ فِي طَيّاتِهِ دُرُوساً وَعَبْرَ، فَيَتَّسِعُ أُفُقُكَ وَتُدْرِكُ أَنَّكَ لا تَزالُ فِي بِداياتِ المَعْرِفَةِ. وَمَعَ الوَقْتِ، تَتَقَبَّلُ هٰذا الواقِعَ بِمُرُونَةٍ، فَتَنْخَفِضُ تَطَلُّعاتُكِ وَعَلاقاتُكَ بِالناسِ وَالأَماكِنِ وَالذِكْرَياتِ. فَيَسْهُلُ عَلَيْكَ السَيْرُ فِي دُرُوبِ الحَياةِ بِحُرِّيَّةٍ، مُتَحَرِّراً مِنْ أَغْلالِ الماضِي، وَبِدُونِ رَهْبَةٍ مِنْ مُسْتَقْبَلٍ تُسَطِّرُ لَهُ خُطَطاً تَخْفَى فِي ظُلُماتِ الزَمَنِ. تُدْرِكُ تَماماً أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَتَكَوَّنُ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ساعَةً، لا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ، وَعِنْدَما يَمْضِي يَوْمَكَ، يَسْحَبُ مَعَهُ شَذَراتٍ مِنْ ذاتِكَ، فَتَتَوَقَّفُ عَنْ النَدَمِ عَلَى ما قَدْ مَضَى، وَتَسْتَقْبِلُ ما هُوَ قادِمٌ بِشَغَفٍ، وَلا تَنْتَظِرُ المُسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ فِي رَحْمَةِ الرَحْمٰنِ. فَعَمِلَ لِدُنْياكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً وَاِعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَداً.
حين لا تسعفنا الكلمات