بقلم الدكتور: حارث بن علي العسيري
لم يعد القبول بالقراءات الدبلوماسية التقليدية كافياً لتفسير المشهد المعقد في منطقتنا؛ فالواقع يشير إلى وجود اختلال عميق في التوازنات السياسية الخليجية، سببه خروج بعض الأطراف الإقليمية عن مظلة الإجماع العربي، وانتهاج سياسات أحادية لا تصبّ في مصلحة الخليج والأمة بقدر ما تخدم مصالح ضيقة وتحالفات موازية.
تشتيت المنطقة وبعثرة مقومات الاستقرار
إن التدخلات الممتدة من السودان إلى ليبيا، ومن سوريا إلى القرن الإفريقي، ناتجة عن التوظيف المكثف للنفوذ المالي والحروب بالوكالة، مما تسبب في إضعاف دول عربية محورية تقف في خط الدفاع الأول عن الأمة. يرافق ذلك استخدام منظمات سيبرانية وأدوات توجيه إعلامية (“ذباب إلكتروني”) تهدف إلى ضرب التماسك الشعبي، وزرع الفتنة بين المجتمعات الخليجية، وتشتيت الوعي عن المخاطر الحقيقية.
تقاطع المصالح: بين التمدد الإيراني والتطبيع المنفرد
تتجلى الخطورة في حالة التقاطع والتخادم الشبه صريح بين عدة أطراف:
* التقارب مع المشروع الإيراني وأجنحته: عبر التغاضي أو التساهل مع أدوار جماعات كالحوثي، وفتح قنوات نفوذ متقاطعة تشمل أطرافاً إقليمية مثل إثيوبيا.
* الهرولة ونقل النفوذ لإسرائيل: من خلال تمكينها أمنياً واقتصادياً على حساب المصالح العليا للعرب والمسلمين، مما يضعف الموقف الاستراتيجي الذي تقوده المملكة العربية السعودية لحماية المنطقة وإبقائها خارج هيمنة التكتلات الخارجية.
إن هذه السياسات لا تضعف الأمن القومي فحسب، بل تُخضع أحمى الممرات المائية وأهمها—وعلى رأسها البحر الأحمر وباب المندب—لمخاطر الابتزاز الدولي والإقليمي، وهو ما يمس بشكل مباشر أمن المملكة العربية السعودية، ومصر، والسودان، وكافة دول المنطقة.
الموقف السعودي: قوة الأمة من قوة دولها (النموذج السوري نموذجاً)
في مقابل مشاريع التفتيت والنفوذ الأحادي، تتجلى الحكمة والمسؤولية التاريخية في الرؤية السعودية القيادية. فالمملكة لا تسعى لتكريس قوتها لذاتها أو لممارسة هيمنة منفردة، بل تتنزل استراتيجيتها من منطلق “الأمن والتنمية القومية الشاملة”:
* دعم الدولة الوطنية (سوريا كشاهد): يظهر الموقف السعودي الشجاع تجاه سوريا في سعيه الدؤوب لاستعادة هذا البلد العربي المحوري إلى عمقه الطبيعي ومؤسساته الوطنية، وإنهاء التدخلات الخارجية التي تمزق جسده.
* إيمان بالعمل الجماعي: تؤمن القيادة السعودية بأن قوة الرياض لا تكتمل إلا بقوة القاهرة، ودمشق، وبغداد، والخرطوم، وصنعاء. فإذا قَوِيَتْ الدول العربية واستعادت عافيتها، تشكّلت قوة إقليمية ذاتية متماسكة قادرة على ردع الخطر الإيراني والتمدد الإسرائيلي معاً.
* حماية الموروث والمقدرات: إن بناء منظومة عربية-إسلامية قوية هو السبيل الوحيد للحفاظ على مقدرات الشعوب، وصون الموروث العائدي والديني للأمة وقبلتها الشريفة من محاولات التشويه أو الاختراق العقدي والسياسي.
القضاء على المشروع الحوثي: مفتاح استعادة التوازن
وسط كل هذه المخططات والسياسات المربكة، يبقى المشروع الحوثي هو رأس الحربة والركيزة الأساسية لتمرير أجندات التطويق؛ وعليه فإن القضاء على الحركة الحوثية وإنهاء وجودها العسكري والسياسي ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو نقطة الارتكاز والمعادلة المفصلية لإعادة التوازن كلياً.
إن حسم الملف اليمني واستعادة الدولة سيعيد أموراً جوهرية إلى نصابها:
* قطع ذراع الاختراق الإقليمي: إنهاء خط التماس والمناورة التي تستغلها طهران وأطراف أخرى لابتزاز الخليج والعالم.
* تأمين البحر الأحمر والملاحة الدولية: حماية الممرات البحرية وإعادتها للسيادة العربية الخالصة بعيداً عن الميليشيات والمساومات المكتومة.
* إعادة ضبط البوصلة الخليجية: إجبار كافة الأطراف المتباعدة على العودة إلى مفهوم “الأمن الجماعي” الموحد تحت قيادة المملكة العربية السعودية، وإيقاف مشاريع النفوذ المنفردة التي أنهكت الجسد العربي.
خاتمة
إن حماية المقدرات العربية والإسلامية تتطلب صراحة ومواجهة حقيقية لأسباب الخلل. وستبقى القيادة السعودية، بحكم وزنها الديني والسياسي والاستراتيجي، الصخرة التي تتحطم عليها هذه المشاريع؛ لأن رسالتها تعتمد على جمع الكلمة وتشييد قوة عربية إسلامية حقيقية، تبدأ من حسم معركة اليمن والقضاء على الجرثومة الحوثية كخطوة لا بد منها لتصحيح المسار الحضاري والتاريخي للجميع.