بقلم : المستشارة أسحار بنت يوسفبنت المملكتين
و مستشارة ادارية في الجودة و الموارد و التدريب
في ساحةِ مدرسةٍ ابتدائية سعودية في قلب تشرين الأول في اواخر الثمانينات و حيث تفوح رائحة البخور و قهوة الصباح مع فوحان ضحكات الطالبات تلك الضحكات التي تتخللها ظفائر الصغيرات مكللةً بالرياحين و الخزامى و بسمات المعلماتِ تحيي الأجوديات فور دخولهنَّ باحة المدرسة .
بدأت الاذاعة المدرسية بما تيسر من القرآن الكريم ثم تلاها صوت الطالبات سارعي للمجد و العلياء ، و كانت عبير ابنة الثمانية أعوام تنشد مع زميلاتها و في آخر الاذاعة توجهت الطالبات للفصول .في بداية الحصة رفعت “عبيرنا ” يدها الصغيرة المبخرة بالبخور و المسك فحيتها المعلمة و اشارت لها بابتسامة أن تسأل ؛
“أستاذة نورة ، أليست الانشودة لي أنا ؟ تكلمني أنا ؟ ”
” أي أنشودة يا عبير ؟ ”
” سارعي ” تكلمني أنا صح ؟ ”
ضحكت الطالبات و في وسط الضحكات نظرت الأستاذة نورة لبراءة عبير و ذكائها و قالت :
” كيف عرفت ؟ صفقوا لعبير يا طالبات ”
جواهر : “أستاذة سارعي تكلم أمنا السعودية مو عبير صحيح ؟ ”
” جواهر سارعي تكلم أمنا المملكة و تكلمنا كلنا و تكلم البنات و الأولاد و كل عيالها و كل من يحبها و يرفع رايتها خفاقة ”
” عبير كلامها صحيح ؛ سارعي أنت يا عبير و جواهر و نوف و سهام و حصة و بدور ”
و توجهت الأستاذة تعطي قلمَ رصاصٍ معطرٍ لعبير .طارت عبير من الفرحة لأنّ شعورها و فكرتها كانوا في مكانهم و هي شعرت أن النشيد الوطني يناديها و قد نالت قلماً جميلاً بعطر الفاكهة فيه رصاصات متتالية للكتابة .
من يومها و صارت عبير تنشد و أمها تزين ظفائرها بالرياحين و الخزامى ( سارعي يا عبير للمجد و العلياء ) و أمها تتبسم و تدمع سعيدةً بها ، و اذا سأل أخوتها او بنات خالاتها ضاحكين بلطف لماذا تزجُّ باسمها في النشيد ترد أمها ” خلها عراحتها .. عبير غير ”
ثم تتبع الرد بابتسامة و تمسح بماء الورد غرةً الأجودية الصغيرة .
في الفسحة نسيت خولة طعامها فتوجهت لها عبير و قاسمتها قرص الكليجة و اعطتها من كيس التمر الخاص بها و شطيرة الجبن . و إذا قالوا لها شكرا عبير قالت عفوا و عادت تنشِد و هي تقفز بخطواتها بايقاعٍ مميزٍ ( سارعي يا عبير للمجد و العلياء) .
في منتصف النهار و تحت شمس الرياض كانت الطالبات في فصولهنَّ آمنات فإذا بجرس الانذار يصدر معلناً حريقاً من تماسٍ كهربائي و اسرعت المعلمات و الاداريات في طمأنة الطالبات و أخذهنَّ لباحة المدرسة بهدوء و سرعة ، كان الدفاع المدني على وصول . لاحظت عبير أنَّ أستاذة نورة لم تكن في الساحة مع الطالبات فصاحت بصوت عالٍ
” أبلة نورة مو هنا ” كانت الأستاذة نورة تساعد طالبتين علقتا في احدى الفصول خوفاً من ألسنةِ اللهب . خرجت الاستاذة نورة مع الطالبتين و عبير في ذهول و اعجاب ؛ توجهت للأستاذة نورة و حضنتها بسرعةٍ و لهفةٍ و قالت لها
” ليه ما طلعت بسرعة مثلنا ؟ ”
قالت لها : ” حبيبتي عبير أنا في مكان واجب و واجبي يلزمني أن أحميكنَّ ”
بكت عبير و قد لامسها هذا التفاني و الاقدام و قالت لها
” و أنتِ بعد أستاذة نورة سارعي للمجد و العلياء” و مر المشهد بدموع الفرحة بسلامة الجميع و هذا الجو الأسري الحميم على صوت عبير تنشد للبطلة الأستاذة نورة .
١١ /تشرين الاول /٢٠٢٦ م حيث كان مطار الملك خالد في الرياض يعجُُّ بالمسافرين و عبير موظفةٌ دقيقةٌ في مواعيدها و انضباطها و هذا لم يمنعها عمرا باكمله ان تحضر معها القهوة السعودية و التمر لها و تضعها في مكان الدخول لمن شاء كرماً سعوديا غير حديث و لا مُستحدث . انتهى وقت الاستراحة و عادت عبير لمكانها تساعد المسافرين و ترشدهم ما بين معتمرين و مسافرين آمنين ، و في لحظةٍ واحدة و إذ بيدٍ غاشمةٍ لا تُحلل و لا تُحرم و لا تعرف للإنسانيةٍ أي معنى تبطش بطشاً ، و لكن بطش الله أكبر . يركض الجميعُ للنجاة و هذا حقهم علهم ينجون من ألسنة اللهب و هول ما حدث . و اسرعت عبير ترشد المسافرين لبوابات الخروج بيدها ذات اليد الاجودية لكنها كبرت لتساعد و تعين في مشهد مهيب… و ما أشبه عبير اليوم بأبلة نورة الأمس ، كل ما كان يتردد في عقل عبير قوله تعالى
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . صدق الله العظيم
تصاعدت السنة اللهب و كل الاجهزة الامنية و الدفاع المدني و الاسعاف على قدمٍ و ساق .
و بدأت عبير ينالها التعب لكنها تدندن في داخلها
” سارعي يا عبير للمجد و العلياء ” .. ثم تعود لتتلو من كتاب الله ما يزيدها ثباتاً .
هب قلب ام عبير من مكانه لتطمئن عليها و تتصل على أخواتها ليطمئنوها بدورهم ، فأخبروها ما حصل ، سجدت لله شكرا على سلامة ابنتها ثم قالت ” قلت لكم … عبير غير ”
عبير غير….. بنت العجمي غير…..
بنت المملكة غير …..
بنت المملكة نور و بخور و سند و وتد و خزامى و رياحين
و ترا في الحرب ما عندنا نخلة و في السلم ما عندنا سيفين …. سارعوا للمجد و العلياء اخوان نورة و أخوات عبير …
اللهم ارحم الشهداء و اشف المصابين يا رحمن
اللهم من أراد بأمنا المملكة بلاد الحرمين أمراً فأعطه أضعاف ما نوى فمن يرد بها خيراً فزده خيراً و من يرد بها شراً فاجعل تدبيرهُ في تدميره .