بقلم د. طلق المسعودي
كل عام في مثل هذا اليوم أسأل نفسي: ماذا يعني أن نحب وطنًا؟ هل يكفي أن نرفع علمه على سياراتنا، ونلبس الأخضر، ونردد الأناشيد، ثم نعود في اليوم التالي إلى حياتنا كأن شيئًا لم يكن؟ أم أن للحب معنى آخر أعمق من الاحتفال وأثقل من الشعار؟
نحتفل اليوم بالذكرى السادسة والتسعين لتوحيد هذه البلاد. قرابة قرن مضى منذ جمع الملك عبدالعزيز، رحمه الله، أرضًا متباعدة وقبائل متفرقة تحت راية واحدة. وكلما عدت إلى تلك الحكاية أدركت أن التوحيد لم يكن حدثًا وقع مرة ثم انتهى، بل هو عهد يتجدد، وكل جيل مطالب بأن يحفظه كما حفظه من قبله.
*الحب الذي يُختبر*
يقولون إن الحب لا يُعرف في الرخاء، وإنما في الشدة. وأظن أن هذا ينطبق على الأوطان أكثر مما ينطبق على الأشخاص. في أيام الهدوء يسهل على الجميع أن يقولوا «نحب الوطن»، أما حين تضطرب المنطقة من حولنا، وتتوالى الأزمات، وتشتد الحملات المغرضة، فهنا يظهر الفرق بين من يحب بلسانه ومن يحب بموقفه.
ونحن اليوم نعيش أيامًا من هذا النوع. المنطقة لا تهدأ، والأخبار كل صباح تحمل جديدًا مقلقًا، والفضاء الرقمي مزدحم بمن يتربص ويشكك ويحرض. في مثل هذه الظروف لا يبقى حب الوطن ترفًا عاطفيًا، بل يصبح واجبًا، والدفاع عنه يصبح فرضًا على كل واحد منا بحسب موقعه وقدرته.
*جبهات لا نراها*
حين نسمع كلمة «الدفاع عن الوطن» نتخيل الجندي على الحدود، وهو يستحق منا كل التقدير والدعاء والوفاء. هؤلاء الرجال يسهرون لننام، ويغيبون عن أسرهم لتبقى أسرنا آمنة، ومنهم من قدّم روحه ولم يسأل عن المقابل. لكنني أظن أن كثيرًا منا يعفي نفسه من المسؤولية حين يحصر الدفاع في الميدان العسكري وحده.
هناك جبهة أخرى لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها لا تقل خطرًا: جبهة الوعي. الشائعة اليوم قد تفعل ما لا تفعله القذيفة، والمقطع المجتزأ قد يزرع الشك في قلوب الناس أسرع مما نتصور. والمواطن الذي يعيد نشر خبر لم يتثبت منه، أو يتفاعل مع حساب مجهول يثير الفتنة، قد يخدم خصوم وطنه وهو يظن أنه يحسن صنعًا. والقرآن حسم هذا الأمر منذ قرون: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
وهناك جبهة الوحدة. لم تقم هذه البلاد إلا حين اجتمع أهلها، ولن يُنال منها إلا إذا تفرقوا. ولهذا فكل من يحاول أن يقسم الناس بالمنطقة أو القبيلة أو الانتماء إنما يحاول أن يهدم ما بناه المؤسس. والتفاف الناس حول قيادتهم في أوقات الشدة ليس مجاملة سياسية، بل هو غريزة بقاء عند الشعوب الواعية.
وهناك جبهة العمل، وهي أقرب الجبهات إلينا وأكثرها إهمالًا. المعلم الذي يخلص في فصله، والطبيب الذي يتقن عمله، والتاجر الذي يصدق في معاملته، والشاب الذي يبني مشروعه ويوظف أبناء بلده، كل هؤلاء يدافعون عن الوطن دون أن يشعروا. فالوطن القوي في اقتصاده وعلمه وإنتاجه يصعب كسره، والوطن الضعيف من الداخل لا تحميه الجيوش وحدها.
الشجاعة أن تقف مع وطنك حين يكون الوقوف مكلفًا. والرؤية أن تعرف إلى أين تمضي فلا يشغلك الضجيج. والأصالة أن تبقى كما أنت مهما تغيّر العالم من حولك. والهمّة ألا تنتظر أن يفعل غيرك ما تستطيع أنت أن تفعله. أما الجود والكرم فهما ما يجعل المجتمع جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.
*أن الأوطان مثل البيوت، تحتاج إلى من يرعاها كل يوم، وإلا تسللت إليها الشقوق دون أن ننتبه*
ستٌ وتسعون سنة، والوطن يزداد رسوخًا وثقة بمستقبله. لكن الذكرى لا تكتمل بالاحتفال وحده، بل بالعهد الذي نجدده مع أنفسنا: أن نحب هذا الوطن بالفعل لا بالقول، وأن نكون حراسه كلٌّ في موقعه، وأن نسلّمه لمن بعدنا أقوى مما استلمناه.
دام عزّك يا وطن، ودام أمنك، وحفظ الله قيادتك وجنودك وأهلك.