بقلم ريم القرشي
مشيتُ مثقلةً بحزنٍ لم أعد أميز معه اتجاه الخطى، كأن الطريق لا يقودني بل يسحبني إليه سحبًا. حتى وجدتُ نفسي عند الملتزم، وحولي زحامٌ لا يشبه إلا صدى القلوب حين تضيق بها الأرض.
هناك… انضغط داخلي كما يُضغط القلب بين يدي قدرٍ لا يُمهل، فسقطتُ في صحن المطاف؛ لا جسدًا فقط، بل انهيارًا داخليًا يتردد في صدري بلا توقف:
“خليكِ واثقة فيني…”
كلمةٌ كانت وعدًا يومًا، ثم صارت وجعًا يعود كلما ظننتُ أنه انطفأ.
وفي لحظة السقوط، لم يكن الألم وحده حاضرًا، بل كان هناك من يتربص بصمتٍ ثقيل، يراقب شرارة الخلاف منذ بدايتها. كانوا يصمتون من بعيد بملامح الأبرياء، لكنهم يترقبون…
كان صمتهم انتظارًا لا حيادًا، وترقّبًا لا براءة فيه. يرقبون الفجوة بيننا كلما اتسعت، حتى إذا وقع الخلاف فرحوا به وكأنهم تمنّوه منذ زمن، وظنّوا أنهم تمكنوا من الأمر.
لكنهم لم يدركوا أن الله يُمهل ولا يُهمل، وأن ما يُدبَّر في الخفاء قد يُبطل في لحظة، وأن كيدهم — مهما بدا محكمًا — إلى زوال، وسيولّون الأدبار خائبين.
ومن فرح بخلافنا ظنًّا منه أنه يثبت شيئًا، فسيأتي يومٌ تتبدل فيه تلك الفرحة إلى زوالٍ وندم، ويذوق فيه ما لم يحسب حسابه، فالأيام لا تثبت على حال، والقلوب لا تُكسر دون أن يُعاد لها الحق بطريقةٍ لا يملكها بشر.
ضاق بي المكان، وضاق بي الصدر، حتى غبتُ عن الوعي. وكنتُ على أرضٍ لا تعرف اسمي، والمطر يهطل فوقي كأنه لا يغسل الجسد، بل يغسل ما تراكم في الداخل من وجعٍ لا يُقال.
كان في داخلي دعاءٌ لا ينقطع، صوتٌ خافت لكنه حيّ، كأنه يمسك بي من طرف الغيب:
يناديني في يقظتي، ويزورني في منامي، كأن الرحمة لا تتركني رغم كل السقوط.
ثم صحوتُ…
على صوت المطر، والريح تجري في السماء كالسحب حين تُساق بلا قرار.
حاولتُ أن أمشي، أن أتماسك وأقف، لكن خطواتي لم تكتمل، وكأن الأرض تسحب ما تبقى من قوتي. هبط ضغطي، وثقلت أنفاسي، حتى أمسكتُ بحافة صحن المطاف أبحث عن ثباتٍ لا أجده في داخلي.
اقتربت مني زائرة بصوتٍ هادئ:
“تعالي اجلسي على الكرسي…”
لكن لساني لم يطاوعني، وكأن الصمت كان أقوى من كل ردّ في تلك اللحظة.
ثم حاولتُ النهوض مرة أخرى، فسقطتُ من جديد على أرض صحن المطاف؛ لا جسدًا فقط، بل روحًا أنهكها الفقد. جلستُ ببطء، ألتقط أنفاسي كمن يعيد ترتيب الحياة من أولها.
لم يكن ما أصابني جسدًا فقط، بل قلبًا لم يكن مستعدًا لفقد “أخت”…
قلبٌ لم يتوقع أن ينكسر بهذا الشكل، ولا أن يسقط معه كل ما كان يظنه ثابتًا في الداخل.
ومع ذلك… لم أظل هناك كما كنت أظن.
شيئًا فشيئًا، بدأتُ أستعيد أنفاسي، لا دفعة واحدة بل كطمأنينةٍ تتسلل بهدوء إلى داخلي. أدركتُ أن السقوط لا يعني النهاية، وأن بعض الانكسارات تُعيد ترتيب الروح بدل أن تُفنيها.
رفعتُ رأسي، وعيوني ما زالت مثقلة، لكن قلبي كان أخفّ مما كان عليه قبل لحظات. كأن الدعاء الذي لم ينقطع طوال الوقت كان يمسك بي حقًا، لا يتركني حتى حين ظننتُ أني وحدي.