عبدالعزيز السبيعي – عين الوطن
منذ نشأة الإعلام، ارتبط دوره بالتأثير في الجمهور، فكل رسالة إعلامية، مهما بدت بسيطة أو مباشرة، تحمل في طياتها أثرًا يتجاوز مجرد نقل المعلومة.
غير أن هذا التأثير، على طبيعته، يطرح إشكالية دقيقة:
متى يكون التأثير مشروعًا، ومتى يتحول إلى توجيه مقصود؟
التأثير، في معناه البسيط، هو نتيجة طبيعية لعرض المعلومات، فعندما تقدم الحقائق بوضوح، وتصاغ بطريقة مفهومة، فإنها تسهم في تشكيل فهم المتلقي، وربما في تعديل قناعاته.
وهذا النوع من التأثير يعد جزءًا من وظيفة الإعلام الأساسية، بل يمكن اعتباره أحد أهدافه.
أما التوجيه، فهو مرحلة تتجاوز ذلك، إذ لا يكتفي بتقديم المعلومات، بل يسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى دفع المتلقي نحو تبني موقف محدد، ويتم ذلك عبر أدوات متعددة، مثل انتقاء المعلومات بعناية، أو استخدام لغة تحمل إيحاءات معينة، أو إغفال جوانب قد تضعف الرسالة المراد إيصالها.
الفرق بين التأثير والتوجيه قد يبدو دقيقًا، لكنه جوهري، فالتأثير يترك مساحة للتفكير، بينما التوجيه يضيق هذه المساحة، التأثير ينير الطريق، أما التوجيه فيرسم الوجهة.
في الحدث الإعلامي المعاصر، تتداخل هاتان الحالتان بشكل كبير، فالمؤسسات الإعلامية مثلًا، بحكم طبيعتها تسعى إلى التأثير، لكنها قد تنزلق أحيانًا نحو التوجيه، خصوصًا في القضايا التي تحمل أبعادًا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية حساسة.
وتزداد هذه الإشكالية في ظل المنافسة الشديدة بين الوسائل الإعلامية، حيث يصبح جذب الانتباه أولوية، وفي سبيل ذلك، قد تستخدم أساليب تعزز التفاعل، لكنها في الوقت ذاته تقيد حرية التلقي، من خلال تقديم الرسائل في قوالب جاهزة، أو عناوين حاسمة لا تحتمل التأويل.
من جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور الجمهور في هذه المعادلة، فالمتلقي اليوم لم يعد كما كان في السابق، إذ أصبح يمتلك أدوات متعددة للوصول إلى المعلومات، والمقارنة بينها، والتحقق من صحتها.
ومع ذلك، فإن كثافة المحتوى وسرعة تدفقه قد تضعف القدرة على التمييز، وتجعل التوجيه أكثر قابلية للمرور دون ملاحظة.
هنا، تتجلى أهمية الوعي الإعلامي، ليس فقط لدى الجمهور، بل لدى الإعلامي نفسه، فالإعلامي المحترف هو من يدرك الفارق بين أن يقدم المعلومة بموضوعية، وبين أن يشكلها لخدمة نتيجة معينة، وهو من يعي أن الثقة تبنى حين يشعر المتلقي بأنه شريك في الفهم، لا مجرد متلق لرسائل جاهزة.
كما أن الشفافية تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، فحين تكون نوايا الطرح واضحة، ويتاح للجمهور الاطلاع على مختلف الزوايا، يصبح التأثير أكثر قبولًا، وأقل إثارة للشك، أما حين يقدم التوجيه في صورة حياد، فإنه يفقد الإعلام جزءًا من مصداقيته، حتى وإن حقق تأثيرًا.
في النهاية، لا يمكن فصل الإعلام عن التأثير، لكنه يستطيع أن يختار موقعه على هذا الطيف.
إما أن يكون مساحةً للحوار والتفكير، أو أداةً لتشكيل القناعات بشكلٍ أحادي.
الإعلام الحقيقي لا يقود العقول، بل يفتح لها الطريق لتقود نفسها.