بقلم د. حارث بن علي العسيري
ليالي بدر
الليلة السادسة عشر
ليلة السكينة والمطر
لم يكن صباح السابع عشر قد بزغ بعد…
لكن المشهد كان يُعاد ترتيبه بقدرٍ إلهي.
جيش قريش يقترب من بدر من جهة الجنوب الغربي…
ألف مقاتل، مئة فرس، وثقة العدد والعدة.
ورسول الله ﷺ وأصحابه…
ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً،
سبقوا إلى موضع الماء،
قلوبهم أكبر من سيوفهم.
بدر وادٍ تحيط به مرتفعات:
العدوة الدنيا من جهة المدينة،
والعدوة القصوى من جهة مكة،
وبينهما أرض منخفضة يغلب عليها الرمل.
الرمل… ذلك العدو الخفي.
قد يكون سبب انزلاق الأقدام وتفكك الصفوف.
لكن في تلك الليلة…
نزل المطر.
ليس مطرًا يغرق،
ولا عاصفة تُربك،
بل مطرًا بقدر.
ثبت الأرض تحت أقدام المؤمنين،
فتماسكت الرمال،
وصارت صالحة للثبات.
وفي جهة قريش…
اشتد عليهم الوحل،
فأبطأ حركتهم،
وأثقل مسيرهم.
هنا يتجلى تدبير الله… دون ضجيج.
قال تعالى:
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾
ليلة عجيبة…
المطر يطهّر الأجساد،
والنعاس يطهّر القلوب من القلق.
رجال يعلمون أن الفجر قد يكون آخر فجر في حياتهم…
ثم يغشاهم نعاس هادئ.
ليست غفلة،
بل سكينة.
صفوف تُسوّى،
نيات تُراجع،
دعاء خافت في أطراف المعسكر،
وهدوء يسبق انفجار التاريخ.
العريش بُني للنبي ﷺ ليكون موضع القيادة،
من جريد وسعف بسيط،
لكنه مركز القرار.
القائد في العريش،
والجيش في مواقعهم،
والسماء فوق الجميع بأمر الله.
ليلة السادس عشر ليست ليلة صدام…
بل ليلة إعداد.
ليلة تثبيت الأقدام،
قبل أن تُختبر القلوب.
وغدًا…
لن يكون مجرد صباح.
سيكون صباح الفرقان.
اللهم كما أنزلت السكينة على أهل بدر، أنزل السكينة على قلوبنا، وثبّت أقدامنا في مواطن الحق، واربط على قلوبنا إذا اضطرب الزمان.
اللهم اجعل كل ما أنشره في هذا الشهر صدقة جارية عني وعن والدي وأزواجي وذريتي وإخواني وأصدقائي ومن شارك بالنشر من المسلمين.