بقلم د. حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الرابعة عشر – رمضان ١٤٤٧هـ
بدر… حين بدأ الطريق
لم يكن الخروج من المدينة طلبَ حربٍ، ولا رغبةَ صدامٍ، بل كان حركةً محسوبةً في زمنٍ صعب.
بلغ رسولَ الله ﷺ أن قافلةً لقريش يقودها أبو سفيان عائدةٌ من الشام، تحمل أموالاً عظيمةً لقريش؛ أموالاً خرج بعضها يوم أُخرج المسلمون من ديارهم، وصودرت تجارتهم، ونهبت ممتلكاتهم.
لم يكن الأمر إذًا طمعًا في مال، بل استردادَ حقٍّ، وردَّ اعتبارٍ، وإشعارًا لقريش أن المدينة لم تعد ضعيفة.
في الثامن من رمضان من السنة الثانية للهجرة خرج النبي ﷺ ومعه نحو ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ليس معهم إلا فرسان وسبعون بعيرًا يتعاقبون عليها.
لم يخرجوا بكامل عُدَّتهم، ولم يتهيؤوا لمعركة فاصلة… كانوا يظنونها مهمةً سريعة.
لكن أبا سفيان كان يقظًا.
أرسل إلى مكة يستنفر قريشًا، فخرجت قريش بكل كبريائها:
قرابة ألف مقاتل، معهم مئة فرس، وستمئة درع، وقياداتها الكبرى: عتبة وشيبة وأبو جهل وغيرهم.
وهنا تغيّر المشهد.
وصل الخبر إلى النبي ﷺ أن قريشًا خرجت بكل ثقلها.
لم تعد قافلة… بل جيشًا جرّارًا.
وقف ﷺ بين أصحابه، وجمعهم، وقال:
«أشيروا عليَّ أيها الناس».
تأملها…
هو رسول الله ﷺ، المؤيَّد بالوحي، لكنه يريد أن يسمع منهم.
يريد أن يُشركهم في القرار.
يريد أن تتحول المعركة إلى اختيارٍ واعٍ، لا مفاجأةٍ مفروضة.
فقام أبو بكر رضي الله عنه، فأحسن.
ثم قام عمر رضي الله عنه، فأحسن.
ثم قام المقداد بن عمرو رضي الله عنه، فقال كلماتٍ بقيت في التاريخ:
“يا رسول الله، امضِ لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.”
فدعا لهم رسول الله ﷺ بخير.
لكن النبي ﷺ كرر السؤال:
«أشيروا عليَّ أيها الناس».
لماذا أعادها؟
لأن الذين تكلموا كانوا من المهاجرين…
أما الأنصار — أهل المدينة — فقد بايعوه في العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم داخل المدينة.
أما الآن… فالمعركة خارج حدودها.
أعاد ﷺ السؤال مرةً أخرى:
«أشيروا عليَّ أيها الناس».
سكونٌ يسري في الصفوف.
أنفاسٌ تتسارع.
العيون تتبادل النظرات.
هنا فهمها سعد بن معاذ رضي الله عنه، سيد الأوس، وكأنه يقرأ ما في قلب النبي ﷺ.
فقام، وقال بصوتٍ ثابت:
“والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟”
قال ﷺ: “أجل”.
فقال سعد كلمته التي هزّت السماء قبل الأرض:
“قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئتَ به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة.
فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد.
وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.”
تخيل اللحظة…
ثلاثمائة رجل، أمام ألف.
قليل العتاد، قليل الزاد.
لكن القلوب ممتلئة يقينًا.
تبسّم وجه رسول الله ﷺ، وقال:
«سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين».
في تلك اللحظة تحولت بدر من مواجهة عسكرية…
إلى اختبار إيمان.
ومن حسابات عددٍ وعدّة…
إلى يقينٍ وثبات.
لم تكن بدر يوم سيوفٍ فقط،
بل يومَ مشورةٍ، وشجاعةِ قرار، وصدقِ عهد.
وهكذا بدأت الملحمة…
لا بضربة سيف،
بل بكلمة وفاء.
اللهم كما ثبّت قلوبهم يوم بدر، ثبّت قلوبنا على طاعتك،
واجعل لنا في مواقفهم قدوة، وفي صدقهم نورًا،
واكتب لنا يقينًا لا يتزعزع، وثباتًا لا يتبدد،
وصلِّ اللهم وسلّم على نبينا محمد.