بقلم د . حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة الحادية عشرة
١٤٤٧هـ
في الليلة الماضية كان الحديث عن الوالدين…
واليوم نقف عند دائرةٍ أضيق… لكنها أشدّ تأثيراً في القلب: الزوجة… والأولاد.
كم من بيوتٍ قائمةٍ على الجدران، ساقطةٍ في المعاني،
وكم من آباءٍ ينفقون المال، لكنهم يبخلون بالوقت والكلمة والاحتواء.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
ليست الآية عن الطعام ولا عن النفقة… بل عن السكن، عن المودّة، عن الرحمة.
قال ﷺ: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي».
ميزان الخيرية هنا ليس في المسجد فقط، ولا في المنابر،
بل في الغرفة الصغيرة التي لا يراك فيها أحد… إلا الله.
روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان في مهنة أهله، يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه.
قال أحمد شوقي:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعباً طيِّبَ الأعراقِ
فالزوجة ليست تفصيلاً يومياً… بل أصل البناء، وهدوء السقف، وصوت الطمأنينة حين تضطرب الأيام.
قال أبو العتاهية:
إنَّما أولادُنا بينَنا
أكبادُنا تمشي على الأرضِ
الكبد يمشي أمامك… فكيف تؤجل ضمَّه؟ وكيف تنشغل عنه حتى يكبر بينك وبينه الصمت؟
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
الوقاية ليست بالطعام واللباس فقط، بل بالتربية، بالدعاء، بالقرب، بأن تكون لهم أباً قبل أن تكون آمراً.
قال الإمام الشافعي:
لَمّا عفوتُ ولم أحقدْ على أحدٍ،أرحتُ نفسي من همِّ العداواتِ
فالبيوت لا تُهدم بالصوت العالي، بل بالحقد الصامت، وبالكلمات التي لا يُعتذر عنها.
صلة الرحم تبدأ من البيت… إن انقطع الدفء هنا بردت بقية الأرحام.
يا من تقرأ الآن… متى كانت آخر مرة جلست مع زوجتك بلا هاتف؟
متى قبّلت رأس ابنك دون مناسبة؟ متى اعتذرت؟
الأولاد أمانة… ليسوا مشاريع نجاحٍ فقط، ولا صوراً جميلة في المناسبات.
كان ﷺ يقبّل الحسن والحسين، فقال ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم».
اليوم ابدأ من الداخل، أصلح بيتك قبل أن تعاتب الناس على قطيعتهم.
اللهم أصلح بيوتنا، وألف بين قلوبنا، واجعل المودة والرحمة سقفاً دائمًا فوق رؤوسنا،
وأعنا على بر أهلينا، واجعلنا خيراً لأهلنا، واكتب لنا بيوتاً مطمئنة في الدنيا، ومساكن رحمة في الآخرة.