بقلم د . حارث بن علي العسيري
ليالي رمضانية
الليلة العاشرة
١٤٤٧هـ
صلةُ الرحم ليست زيارةً موسمية، ولا رسالةَ تهنئة في مناسبة، بل هي عبادةٌ تمتدُّ من القلب إلى السلوك، ومن البيت إلى السماء.
وحين نبدأ الحديث عنها… نبدأ من الجذر الأول: الوالدان.
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
لم يقل طاعةً فقط… بل إحسانًا.
والإحسان مرتبةٌ أعلى من الواجب، هو عطاءٌ بروح، لا أداءٌ بتكليف.
الوالدان قصةُ البدايات… أمٌّ حملت ضعفك تسعة أشهر، وأبٌ حمل همَّ مستقبلك سنين طويلة، ليكبر جسدك مطمئنًا، ويكبر قلبك آمنًا.
ثم تدور الأيام… فيضعف من كان قويًا، ويحتاج من كان سندًا، وهنا يُختبر الإيمان.
البر ليس مالًا يُدفع، ولا هديةً تُشترى، بل صوتٌ هادئ، وصبرٌ على تكرار الحديث، ونظرةُ تقدير، ودعاءٌ صادق في جوف الليل.
البر أن تشعر أن وجودهما نعمة، لا واجبًا ثقيلًا، وأن تعتبر خدمتهما شرفًا لا تضحية.
وإن غابا عن الدنيا فالبر لا يغيب؛ دعاء، صدقة، صلةُ أرحامهما، وسيرةٌ حسنة ترفع درجتهما بعد رحيلهما.
صلةُ الرحم تبدأ من هنا… من البيت الذي خرجتَ منه إلى الدنيا، فمن قصّر في الأصل كيف يُتقن الفروع؟
همسة الليلة: راجع قلبك قبل جوالك… هل ما زال في صدرك دفء البر كما كان؟
اللهم اجعلنا من البارّين بآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لهم وارفع درجاتهم، وألهمنا شكر نعمتهم، ولا تحرمنا بركتهم في الدنيا ولا أجرهم في الآخرة، يا أكرم الأكرمين.